فصل: تفسير الآيات رقم (6- 13)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تفسير السمرقندي، المسمى «بحر العلوم» ***


سورة الانشقاق

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 5‏]‏

‏{‏إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ ‏(‏1‏)‏ وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ ‏(‏2‏)‏ وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ ‏(‏3‏)‏ وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ ‏(‏4‏)‏ وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ ‏(‏5‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِذَا السماء انشقت‏}‏ يعني‏:‏ انفرجت لهيبة الرب عز وجل ويقال انشقت لنزول الملائكة، وما شاء من أمره‏.‏ ‏{‏وَأَذِنَتْ لِرَبّهَا وَحُقَّتْ‏}‏ يعني‏:‏ أطاعت السماء لربها بالسمع والطاعة‏.‏ ‏{‏وَحُقَّتْ‏}‏ يعني‏:‏ وحق لها، أن تطيع لربها الذي خلقها‏.‏ ‏{‏وَإِذَا الارض مُدَّتْ‏}‏ أي‏:‏ بسطت ومدت الأديم ليس فيها جبل، ولا شجر، حتى يتسع فيها جميع الخلائق‏.‏ وروى علي بن الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال‏:‏ «إذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، مَدَّ الله تَعَالَى الأَرْضَ مَدَّ الأَدِيمِ، حَتَّى لا يَكُونَ لِبَشَرٍ مِنَ النَّاسِ، إلاَّ مَوْضِعُ قَدَمَيْهِ لِكَثْرَةِ الْخَلائِقِ فِيهَا»‏.‏ ‏{‏وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ‏}‏ يعني‏:‏ ألقت الأرض ما فيها، من الكنوز والأموات، وتخلت عنها ‏{‏وَأَذِنَتْ لِرَبّهَا‏}‏ يعني‏:‏ أجابت الأرض لربها بالطاعة، وأدت إليه ما مستودعها من الكنوز والموتى ‏{‏وَحُقَّتْ‏}‏ يعني‏:‏ وحق للأرض، أن تطيع ربها الذي خلقها‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏6- 13‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ ‏(‏6‏)‏ فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ ‏(‏7‏)‏ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا ‏(‏8‏)‏ وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا ‏(‏9‏)‏ وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ ‏(‏10‏)‏ فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا ‏(‏11‏)‏ وَيَصْلَى سَعِيرًا ‏(‏12‏)‏ إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا ‏(‏13‏)‏‏}‏

ثم قال عز وجل‏:‏ ‏{‏وَحُقَّتْ يأَيُّهَا الإنسان إِنَّكَ كَادِحٌ‏}‏ قال مقاتل‏:‏ يعني‏:‏ الأسود بن عبد الأسد‏.‏ ويقال‏:‏ أبي بن خلف، ويقال‏:‏ في جميع الكفار‏.‏ يعني‏:‏ أيها الكفار ‏{‏إِنَّكَ كَادِحٌ‏}‏ يعني‏:‏ ساع بعملك‏.‏ ‏{‏إلى رَبّكَ كَدْحاً‏}‏ يعني‏:‏ سعياً، ويقال‏:‏ معناه‏.‏ إنك عامل لربك عملاً ‏{‏فملاقيه‏}‏ في عملك ما كان من خير أو شر‏.‏ فالأول قول مقاتل، والثاني قول الكلبي، وقال الزجاج‏:‏ الكدح في اللغة، السعي في العمل، وجاء في التفسير، إنك عامل عملاً فملاقيه‏.‏ أي‏:‏ ملاق ربك‏.‏ قيل‏:‏ فملاقي عملك‏.‏

ثم قال عز وجل‏:‏ ‏{‏فَأَمَّا مَنْ أُوتِىَ كتابه بِيَمِينِهِ‏}‏ يعني‏:‏ المؤمن ‏{‏فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً‏}‏ يعني‏:‏ حساباً هيناً ‏{‏وَيَنقَلِبُ‏}‏ أي‏:‏ يرجع ‏{‏إلى أَهْلِهِ مَسْرُوراً‏}‏ الذي أعد الله له في الجنة سروراً به‏.‏ وروى ابن أبي مليكة، عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏ مَنْ نُوقِشَ فِي الْحِسَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عُذِّبَ ‏"‏ فقلت‏:‏ أليس يقول الله تعالى ‏{‏فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً‏}‏ يعني‏:‏ هيناً‏.‏ قال‏:‏ «ليس ذلك في الحساب، إنما ذلك العرض، ولكن من نوقش للحساب يوم القيامة، عذب»‏.‏ ويقال‏:‏ حساباً يسيراً، لأنه غفرت ذنوبه، ولا يحاسب بها، ويرجع من الجنة مستبشراً‏.‏

‏{‏وَأَمَّا مَنْ أُوتِىَ كتابه وَرَاء ظَهْرِهِ‏}‏ يعني‏:‏ الكافر، يخرج يده اليسرى من وراء ظهره، يعطى كتابه بها ‏{‏فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُوراً‏}‏ يعني‏:‏ بالويل والثبور على نفسه‏.‏ ‏{‏ويصلى سَعِيراً‏}‏ يعني‏:‏ يدخل في الآخرة ناراً وقوداً‏.‏ قرأ أبو عمرو، وعاصم، وحمزة ‏{‏ويصلى سَعِيراً‏}‏ بنصب الياء، وجزم الصاد مع التخفيف‏.‏ والباقون ‏{‏ويصلى‏}‏ بضم الياء ونصب الصاد مع التشديد‏.‏ فمن قرأ ‏{‏يَصْلَى‏}‏ بالتخفيف، فمعناه‏:‏ أنه يقاسي حر السعير وعذابه‏.‏ يقال‏:‏ صليت النار، إذا قاسيت عذابها وحرها‏.‏ ومن قرأ بالتشديد، فمعناه أنه يكثر عذابه في النار، حتى يقاصي حرها‏.‏ ‏{‏إِنَّهُ كَانَ فِى أَهْلِهِ مَسْرُوراً‏}‏ يعني‏:‏ في الدنيا مسروراً، بما أعطي في الدنيا، فلم يعمل للآخرة‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏14- 19‏]‏

‏{‏إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ ‏(‏14‏)‏ بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا ‏(‏15‏)‏ فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ ‏(‏16‏)‏ وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ ‏(‏17‏)‏ وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ ‏(‏18‏)‏ لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ ‏(‏19‏)‏‏}‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ‏}‏ قال مقاتل‏:‏ ظن أن لن يرجع إلى الله تعالى في الآخرة، وهي لغة الحبشة، وقال قتادة‏:‏ يعني‏:‏ ظن أن لن يبعثه الله تعالى‏.‏ وقال عكرمة‏:‏ ألم تسمع إلى قول الحبشي، إذا قيل له حر يعني‏:‏ أرجع إلى أهلك‏.‏ ثم قال‏:‏ ‏{‏بلى‏}‏ يعني‏:‏ ليرجعنّ إلى ربه في الآخرة ‏{‏إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيراً‏}‏ يعني‏:‏ كان عالماً به، من يوم خلقه إلى يوم بعثه‏.‏ قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَلاَ أُقْسِمُ بالشفق‏}‏ يعني‏:‏ أقسم بالشفق، والشفق الحمرة، والبياض الذي بعد غروب الشمس‏.‏ وهذا التفسير، يوافق قول أبي حنيفة رحمه الله‏.‏ وروي عن مجاهد، أنه قال‏:‏ الشفق هو ضوء النهار‏.‏ وروي عنه أنه قال‏:‏ الشفق النهار كله، وروي عن ابن عمر أنه قال‏:‏ الشفق الحمرة، وهذا يوافق قول أبي يوسف، ومحمد، رحمهما الله‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏واليل وَمَا وَسَقَ‏}‏ يعني‏:‏ ساق وجمع وضم‏.‏ وقال القتبي أي‏:‏ حمل وجمع منه الوسق، وهو الحمل، وقال الزجاج أي‏:‏ ضم وجمع وقال مقاتل‏:‏ ‏{‏واليل وَمَا وَسَقَ‏}‏ يعني‏:‏ ما يساق معه من الظلمة والكواكب، وقال الكلبي يعني‏:‏ ما دخل فيه ‏{‏والقمر إِذَا اتسق‏}‏ يعني‏:‏ إذا استوى، وتم إلى ثلاثة عشرة ليلة، ويقال‏:‏ إذا اتسق يعني‏:‏ تم وتكامل‏.‏

‏{‏لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَن طَبقٍ‏}‏ قرأ ابن كثير، وحمزة، والكسائي لتركبن بنصب التاء، والباقون بالضم، فمن قرأ بالنصب، فمعناه لتركبن يا محمد من سماء إلى سماء، ومن قرأ بالضم فالخطاب لأمته أجمعين، يعني‏:‏ لتركبن حالاً بعد حال، حتى يصيروا إلى الله تعالى من إحياء، وإماتة، وبعث‏.‏ ويقال‏:‏ يعني‏:‏ مرة نطفة ومرة علقة، ويقال‏:‏ حالاً بعد حال، مرة تعرفون ومرة لا تعرفون، يعني‏:‏ يوم القيامة‏.‏ ويقال‏:‏ يعني‏:‏ السماء لتحولن حالاً بعد حال، مرة تتشقق بالغمام، ومرة تكون كالدهان‏.‏ قرأ بعضهم ليركبن بالياء، يعني‏:‏ ليركبن هذا المكذب طبقاً عن طبق، يعني‏:‏ حالاً بعد حال، يعني‏:‏ الموت ثم الحياة‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏20- 25‏]‏

‏{‏فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ‏(‏20‏)‏ وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآَنُ لَا يَسْجُدُونَ ‏(‏21‏)‏ بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ ‏(‏22‏)‏ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ ‏(‏23‏)‏ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ‏(‏24‏)‏ إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ ‏(‏25‏)‏‏}‏

ثم قال عز وجل‏:‏ ‏{‏فَمَا لَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ‏}‏ يعني‏:‏ كفار مكة لا يصدقون بالقرآن ‏{‏وَإِذَا قُرِئ عَلَيْهِمُ القرءان لاَ يَسْجُدُونَ‏}‏ يعني‏:‏ لا يخضعون لله تعالى ولا يوحدونه‏.‏ ويقال‏:‏ ولا يستسلمون لربهم، ولا يسلمون ولا يطيعون‏.‏ ويقال‏:‏ لا يصلون لله تعالى‏.‏ قوله تعالى‏:‏ ‏{‏بَلِ الذين كَفَرُواْ يُكَذّبُونَ‏}‏ يعني‏:‏ يجحدون بالقرآن والبعث، أنه لا يكون‏.‏ وقال مقاتل‏:‏ نزلت في بني عمرو بن عمير، وكانوا أربعة، فأسلم اثنان منهم‏.‏ ويقال‏:‏ هذا في جميع الكفار‏.‏

ثم قال عز وجل‏:‏ ‏{‏والله أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ‏}‏ يعني‏:‏ يكتمون في صدورهم من الكذب والجحود‏.‏ ويقال‏:‏ مما يجمعون في قلوبهم من الخيانة‏.‏ ويقال‏:‏ معناه والله أعلم بما يقولون ويخفون‏.‏ ‏{‏فَبَشّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ‏}‏ يعني‏:‏ شديداً دائماً، وقال مقاتل‏:‏ ثم استثنى الاثنين اللذين أسلما فقال‏:‏ ‏{‏إِلاَّ الذين ءامَنُواْ‏}‏ يقال‏:‏ هذا الاستثناء لجميع المؤمنين، يعني‏:‏ الذين صدقوا بتوحيد الله تعالى‏.‏ ‏{‏وَعَمِلُواْ الصالحات‏}‏ يعني‏:‏ أدوا الفرائض والسنن ‏{‏لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ‏}‏ يعني‏:‏ غير منقوص، ويقال‏:‏ غير مقطوع، ويقال‏:‏ لهم أجر لا يمن عليهم، ومعنى قوله ‏{‏فَبَشّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ‏}‏ يعني‏:‏ اجعل مكان البشارة للمؤمنين بالرحمة، والجنة للكفار بالعذاب الأليم، على وجه التعبير، لأن ذلك لا يكون بشارة في الحقيقة، والله الموفق بمنه وكرمه، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم‏.‏

سورة البروج

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 5‏]‏

‏{‏وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ ‏(‏1‏)‏ وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ ‏(‏2‏)‏ وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ ‏(‏3‏)‏ قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ ‏(‏4‏)‏ النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ ‏(‏5‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏والسماء ذَاتِ البروج‏}‏ يعني‏:‏ ذات النجوم والكواكب‏.‏ ويقال‏:‏ ذات القصور‏.‏ وقال عطية العوفي‏:‏ كان القصور في السماء على أبوابه‏.‏ قال قتادة‏:‏ البروج النجوم، وكذلك قال مجاهد‏:‏ أقسم الله تعالى بالسماء ذات البروج، وجواب القسم قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ‏}‏ ‏[‏البروج‏:‏ 12‏]‏ ثم قال‏:‏ ‏{‏واليوم الموعود‏}‏ يعني‏:‏ يوم القيامة‏.‏ قال مقاتل ‏{‏اليوم الموعود‏}‏ الذي وعدهم أن يصيرهم إليه، وقال الكلبي‏:‏ وعد أهل السماء وأهل الأرض، أن يصيروا إلى ذلك اليوم‏.‏

‏{‏وشاهد وَمَشْهُودٍ‏}‏ ذكر مقاتل، عن علي رضي الله عنه قال‏:‏ الشاهد يوم الجمعة، والمشهود يوم النحر يوم الحج الأكبر‏.‏ وروي عن ابن عباس، أنه قال‏:‏ الشاهد محمد صلى الله عليه وسلم كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ على هؤلاء شَهِيداً‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 41‏]‏ والمشهود يوم القيامة، كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّ فِى ذلك لآيَةً لِّمَنْ خَافَ عَذَابَ الاخرة ذلك يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ الناس وذلك يَوْمٌ مَّشْهُودٌ‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 103‏]‏‏.‏ وروى جويبر، عن الضحاك مثله‏.‏ وروى أبو صالح، عن ابن عباس قال‏:‏ «الشَّاهِدُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ، وَالْمَشْهُودُ يَوْمُ عَرَفَةِ»‏.‏ وروى سعيد بن المسيب، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ «سَيِّدُ الأَيَّامِ يَوْمُ الْجُمُعَةِ، وَهُوَ شَاهِدٌ وَمَشْهُودٌ يَوْمَ عَرَفَةِ»‏.‏ وروى جابر بن عبد الله قال‏:‏ «الشَّاهِدُ يَوْمَ الْجُمْعَةِ، وَالْمَشْهُودُ يَوْمَ عَرَفَةِ»‏.‏ وروى مجاهد، عن ابن عباس قال‏:‏ الشاهد ابن آدم، والمشهود يوم القيامة، وقال عكرمة مثله‏.‏ وقال بعضهم‏:‏ الشاهد آدم، والمشهود ذريته‏.‏

ثم قال عز وجل‏:‏ ‏{‏قُتِلَ أصحاب الاخدود‏}‏ يعني‏:‏ لعن أصحاب الأخدود ‏{‏النار ذَاتِ الوقود‏}‏ يعني‏:‏ يصيرون إلى النار، ذات الوقود في الآخرة‏:‏ وقال الكلبي‏:‏ النار ارتفعت فوقهم أربعين ذراعاً، فوقعت عليهم وأحرقتهم وقتلتهم، وذلك قوله‏:‏ ‏{‏قُتِلَ أصحاب الاخدود النار ذَاتِ الوقود‏}‏ قال‏:‏ حدثنا أبو جعفر، حدثنا علي بن أحمد قال حدثنا محمد بن الفضل، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد بن سلمة، حدثنا عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن صهيب قال‏:‏ ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحاب الأخدود، فقال‏:‏ كان ملكاً من الملوك، كان له ساحر فكبر الساحر، فقال للملك‏:‏ إني قد كبرت، فلو نظرت غلاماً في أهلك فطناً كيساً، فعلمته على هذا فنظر إلى غلام من أهله كيس فظن، فأمره أن يأتيه ويلزمه، وكان بين منزل الغلام ومنزل الساحر راهب، فقال الغلام‏:‏ لو دخلت على هذا الراهب، وسمعت من كلامه فدخل عليه فأعجبه قوله، وكان أهله إذا بعثوه إلى الساحر، دخل الغلام على الراهب، واحتبس عنده‏.‏

فإذا أتى الساحر، ضربه وقال‏:‏ ما حبسك‏؟‏ فإذا رجع من عند الساحر إلى أهله، دخل على الراهب فاحتبس عنده‏.‏

فإذا أتى أهله ضربوه، وقالوا ما حبسك‏؟‏ فشكى ذلك إلى الراهب، فقال له الراهب‏:‏ إذا قالوا لك ما حبسك فقل‏:‏ حبسني الساحر، وإذا قال لك الساحر‏:‏ ما حبسك فقل‏:‏ حبسني أهلي، فبينما هو ذات يوم يريد الساحر، إذا هو بدابة هائلة، يعني‏:‏ كبيرة قد قطعت الطريق على الناس‏.‏ فقال‏:‏ اليوم يتبين لي أمر الراهب، فأخذ حجراً ودنا من الدابة، فقال‏:‏ اللهم إن كان أمر الراهب حقاً، فاقتل هذه الدابة، ورماها بالحجر، فأصاب مقتلها، فقتلها‏.‏ فقال الناس‏:‏ إن هذا الغلام قتل هذه الدابة، واشتهر أمره‏.‏

فأتى الراهب، فأخبره، فقال‏:‏ يا بني، أنت خير مني، فلعلك أن تبتلى لا تدلن عليَّ، فبلغ أمر الغلام أنه كان يبرئ الأكمه، والأبرص، ويداوي من الأرض، فعمي جليس الملك، فذكر له الغلام فأتاه فقال‏:‏ يا بني، قد بلغ من سحرك أنك تبرئ الأكمه والأبرص، فقال الغلام‏:‏ ما أنا بساحر، ولا أشفي أحداً، ولا يشفي إلا ربي‏.‏ فقال له الرجل‏:‏ «هذا الملك ربك، قال‏:‏ لا ولكن ربي ورب الملك الله تعالى، فإن آمنت بالله تعالى به، دعوت الله تعالى فشفاك‏.‏

فأسلم فدعا الله تعالى، فبرئ فأتى الملك فقال له الملك‏:‏ أليس يا فلان قد ذهب بصرك، فقال‏:‏ بلى، ولكن رده علي ربي، فقال‏:‏ أنا، قال‏:‏ لا، ولكن ربي وربك الله، قال‏:‏ أولئك رب غيري، قال‏:‏ نعم‏.‏ وربك وربي الله تعالى، فلم يزل به، حتى أخبره بأمر الغلام، فأرسل إلى الغلام، فجاءه فقال‏:‏ يا بني قد بلغ من سحرك، أنك تشفي من كذا وكذا، فقال‏:‏ ما أنا بساحر، ولا أشفي أحداً، وما يشفي إلا ربي فقال‏:‏ أنا، قال‏:‏ لا ولكن ربي وربك الله تعالى، فلم يزل به حتى دل على الراهب، فدعي الراهب فأتي به، فأراد أن يرجع من دينه، فأبى وأمر بمنشار، فوضع في مفرق رأسه، فشق به حتى سقط شقاه‏.‏

ثم دعا بجليسه، وأراد أن يرجع عن دينه فأبى، فأمر بمنشار، فشق حتى سقط شقاه، فأمر الغلام أن يفعل ذلك بمكانه، فقال‏:‏ احملوه في سفينة‏.‏ فانطلقوا به، حتى إذا لججتم به فغرقوه، فانطلقوا به حتى لجوا به، فلما أرادوا به ذلك فقال‏:‏ اللهم اكفينهم بما شئت، فانكبت بهم السفينة، فغرقوا فجاء الغلام، حتى قام بين يدي الملك‏.‏ فأخبره بالذي كان، فقال انطلقوا به إلى جبل كذا وكذا، فإذا كنتم في ذروة الجبل، دهدهه عنه فانطلقوا به، حتى إذا كانوا بذلك المكان‏.‏ فقال اللهم اكفينهم بما شئت، فتدهدهوا عن الجبل يميناً وشمالاً، فجاء حتى قام بين يدي الملك، فأخبره بالذي كان‏.‏ وقال‏:‏ إن تجمع الملك إنك لا تقدر على قتلي، حتى تفعل بي ما آمرك به‏.‏

فقال‏:‏ وما هو‏؟‏ قال‏:‏ تجمع أهل مملكتك في صعيد واحد، ثم تصلبني، وتأخذ سهماً من كتابي، فترميني به وتقول‏:‏ بسم الله رب هذا الغلام، فأصاب صدغه، فوضع يده على صدغه فمات‏.‏

فقال الناس‏:‏ آمنا برب هذا الغلام‏.‏ فقيل للملك وقعت فيما كنت تجاوز، وقد أسلم الناس‏.‏ فقال‏:‏ خذوا يا قوم الطريق، وخذوا فيها أخدوداً، وألقوا فيها النار‏.‏ ‏(‏فمن رجع‏)‏ عن دينه وإلا فألقوه فيها، ففعلوا‏.‏ فجعل الناس يجيئون، ويلقون أنفسهم في الأخدود، حتى كان آخرهم امرأة، ومعها صبي لها رضيع تحمله، فلما دنت من النار، وجدت حرها، فولت فقال لها الصبي‏:‏ يا أماه امضي، فإنك على الحق، فرجعت وألقت نفسها في النار‏.‏ فذلك قوله عز وجل ‏{‏قُتِلَ أصحاب الاخدود * النار ذَاتِ الوقود‏}‏ وروي في خبر آخر، أن الملك كان على دين اليهودية، يقال له ذو نواس، واسمه زرعة ملك حمير، وما حولها فكان هناك قوم، دخلوا في دين عيسى عليه السلام فحفر لهم أخدوداً، فأوقد فيها النار، وألقاهم في الأخدود، فحرقهم وحرق كتبهم‏.‏

ويقال‏:‏ كان الذين على دين عيسى عليه السلام بأرض نجران، فسار إليهم من أرض حمير، حتى أحرقهم وأحرق كتبهم، فأقبل منهم رجل، فوجد مصحفاً فيها وإنجيلاً محترقاً بعضه، فخرج به، حتى أتى به ملك الحبشة فقال له‏:‏ إن أهل دينك قد أوقدت لهم النار، فحرقوا بها وحرق كتبهم، فأراه الذي جاء به، ففزع الملك لذلك، وبعث إلى صاحب الروم، وكتب إليه يستمده بنجارين يعملون له السفن‏.‏ فبعث إليه صاحب الروم، من يعمل له السفن، فحمل فيها الناس، فخرج به‏.‏ فخرجوا ما بين ساحل عدن إلى ساحل جازان، وخرج إليهم أهل اليمن، فلقوهم بتهامة، واقتتلوا فلم ير ملك حمير له بهم طاقة، وتخوف أن يأخذوه، فضرب فرسه حتى وقع في البحر، فمات فيه‏.‏ فاستولى أهل الحبشة على ملك حمير وما حوله، وبقي الملك لهم، إلى وقت الإسلام‏.‏

وروي في الخبر، أن الغلام الذي قتله الملك دفن، فوجد ذلك الغلام في زمان عمر بن الخطاب رضي الله عنه واضعاً يده على صدغه، كما كان وضعها حين قتل، وكلما أخذ يده سال منه الدم، وإذا أرسل يده، انقطع الدم، فكتبوا إلى عمر بن الخطاب بذلك، فكتب إليهم، أن ذلك الغلام صاحب الأخدود، فاتركوه على حاله حتى يبعثه الله تعالى يوم القيامة على حاله‏.‏ وذلك قوله تعالى‏:‏ ‏{‏قُتِلَ أصحاب الاخدود‏}‏ يعني‏:‏ لعن أصحاب الأخدود، وهم الذين خدوا أخدود النار ذات الوقود، يعني‏:‏ الأخدود ذات النار الوقود‏.‏ ويقال‏:‏ ‏{‏قُتِلَ أصحاب الاخدود‏}‏ يعني‏:‏ أهل الحبشة قتلوا أصحاب الأخدود، أصحاب النار ذات الوقود‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏6- 11‏]‏

‏{‏إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ ‏(‏6‏)‏ وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ ‏(‏7‏)‏ وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ‏(‏8‏)‏ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ‏(‏9‏)‏ إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ ‏(‏10‏)‏ إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ ‏(‏11‏)‏‏}‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏إِذْ هُمْ عَلَيْهَا‏}‏ يعني‏:‏ القوم عند النار حضور‏.‏ قال سفيان‏:‏ إذ هم عليها على السرر ‏{‏قُعُودٌ‏}‏ عند النار ‏{‏وَهُمْ على مَا يَفْعَلُونَ بالمؤمنين شُهُودٌ‏}‏ يعني‏:‏ أن خدامهم وأعوانهم، يفعلون بالمؤمنين ذلك، وهم هناك شهود‏.‏ يعني‏:‏ حضوراً‏.‏ ويقال‏:‏ يفعلون بالمؤمنين ذلك، وهم شهود‏.‏ يعني‏:‏ يشهدون بأن المؤمنين في ضلال، تركوا عبادة آلهتهم‏.‏ ويقال‏:‏ على ما يفعلون بالمؤمنين شهود، يشهدون على أنفسهم يوم القيامة‏.‏ ‏{‏وَمَا نَقَمُواْ مِنْهُمْ‏}‏ يعني‏:‏ وما طعنوا فيهم‏.‏ ‏{‏إِلاَّ أَن يُؤْمِنُواْ بالله‏}‏ يعني‏:‏ سوى أنهم صدقوا بتوحيد الله تعالى ‏{‏العزيز‏}‏ في ملكه ‏{‏الحميد‏}‏ في فعاله‏.‏

ويقال وما نقموا منهم يعني‏:‏ وما أنكروا عليهم، إلا أن يؤمنوا بالله يعني‏:‏ إلا إيمانهم بالله ‏{‏الذى لَهُ مُلْكُ السموات والارض والله على كُلّ شَئ شَهِيدٌ‏}‏ ثم بيّن ما أعد الله لأولئك الكفار‏.‏ فقال عز وجل‏:‏ ‏{‏إِنَّ الذين فَتَنُواْ‏}‏ يعني‏:‏ عذبوا وأحرقوا ‏{‏المؤمنين والمؤمنات‏}‏ يعني‏:‏ في الدنيا ‏{‏ثُمَّ لَمْ يَتُوبُواْ‏}‏ يعني‏:‏ لم يرجعوا عن دينهم، ولم يتوبوا إلى الله تعالى ‏{‏فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ‏}‏ في الآخرة ‏{‏وَلَهُمْ عَذَابُ الحريق‏}‏ يعني‏:‏ العذاب الشديد‏.‏ وقال الزجاج‏:‏ المعنى والله أعلم، لهم عذاب بكفرهم، ولهم عذاب بما حرقوا المؤمنين‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات لَهُمْ جنات تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الانهار ذَلِكَ الفوز الكبير‏}‏ جزاءً لهم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏12- 22‏]‏

‏{‏إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ ‏(‏12‏)‏ إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ ‏(‏13‏)‏ وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ ‏(‏14‏)‏ ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ ‏(‏15‏)‏ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ ‏(‏16‏)‏ هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ ‏(‏17‏)‏ فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ ‏(‏18‏)‏ بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ ‏(‏19‏)‏ وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ ‏(‏20‏)‏ بَلْ هُوَ قُرْآَنٌ مَجِيدٌ ‏(‏21‏)‏ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ ‏(‏22‏)‏‏}‏

‏{‏إِنَّ بَطْشَ رَبّكَ لَشَدِيدٌ‏}‏ يعني‏:‏ عذاب ربك لشديد، وهذا قول مقاتل، وقال الكلبي‏:‏ إن أخذ ربك لشديد، ومعناهما واحد‏.‏ ويقال‏:‏ العقوبة الشديدة، وهذا موضع هذا القسم‏.‏ ثم قال‏:‏ ‏{‏إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئ وَيُعِيدُ‏}‏ يعني‏:‏ يبدأ الخلق في الدنيا، ويعيد في الآخرة من التراب‏.‏ يعني‏:‏ يبعثهم بعد الموت ‏{‏وَهُوَ الغفور الودود‏}‏ يعني‏:‏ الغفور لذنوب المؤمنين، ويقال‏:‏ الغفور للذنوب الودود، يعني‏:‏ المحب للتائبين‏.‏ ويقال‏:‏ المحب لأوليائه، ويقال‏:‏ الودود يعني‏:‏ الكريم‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏ذُو العرش المجيد‏}‏ يعني‏:‏ رب السرير الشريف‏.‏ قرأ حمزة والكسائي بكسر الدال، وقرأ الباقون بالضم، فمن قرأ بالخفض، جعله نعتاً للعرش، ومن قرأ بالضم، جعله صفة ذو يعني‏:‏ ‏{‏ذُو العرش‏}‏ وهو ‏{‏المجيد‏}‏ الشريف والمجيد الكريم ‏{‏فَعَّالٌ لّمَا يُرِيدُ‏}‏ يعني‏:‏ يحيي ويميت، ويعز ويذل‏.‏ ثم قال عز وجل‏:‏ ‏{‏هَلُ أَتَاكَ حَدِيثُ الجنود‏}‏ يعني‏:‏ قد أتاك حديثهم‏.‏ ثم فسر الجنود فقال‏:‏ ‏{‏فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ‏}‏ يعني‏:‏ قوم موسى، وقوم صالح أهلكهم الله تعالى في الدنيا‏.‏ وهذا وعيد لكفار هذه الأمة، ليعتبروا بهم ويوحدوه‏.‏

ثم قال تعالى‏:‏ ‏{‏بَلِ الذين كَفَرُواْ فِى تَكْذِيبٍ‏}‏ يعني‏:‏ إن الذين لا يعتبرون، ويكذبون الرسل والقرآن ‏{‏والله مِن وَرَائِهِمْ مُّحِيطٌ‏}‏ يعني‏:‏ اصبر يا محمد على تكذيبهم، فإن الله عالم بهم‏.‏ وقال الزجاج، في قوله والله من ورائهم محيط، يعني‏:‏ لا يعجزه منهم أحد، قدرته مشتملة عليهم ‏{‏بَلْ هُوَ قُرْءانٌ مَّجِيدٌ‏}‏ يعني‏:‏ إنهم وإن كذبوا، لا يعرفون حقه لا يقرون به، وهو قرآن شريف، أشرف من كل كتاب‏.‏ أو يقال‏:‏ شريف لأنه كلام رب العزة ‏{‏فِى لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ‏}‏ يعني‏:‏ مكتوباً في اللوح، الذي هو محفوظ عند الله من الشياطين، وهو عن يمين العرش من درة بيضاء‏.‏ ويقال‏:‏ من ياقوتة حمراء‏.‏

قرأ نافع ‏{‏مَّحْفُوظٍ‏}‏ بالضم، والباقون بالكسر، فمن قرأ بالضم، جعله نعتاً للقرآن، ومعناه قرآن مجيد، محفوظ من الشياطين في اللوح‏.‏ ومن قرأ بالكسر، فهو نعت اللوح‏.‏ وروى سعيد بن جبير، عن ابن عباس رضي الله عنهم أنه قال‏:‏ إن الله تعالى جعل لوحاً من درة بيضاء دفتاه، من ياقوتة حمراء، ينظر الله تعالى فيه في كل يوم ثلاثمائة وستين مرة، ويحيي ويميت، ويعز ويذل، ويفعل ما يشاء‏.‏ وروي عن إبراهيم بن الحكم، عن أبيه قال‏:‏ حدثني فرقد في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏بَلْ هُوَ قُرْءانٌ مَّجِيدٌ فِى لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ‏}‏ قال‏:‏ هو صدر المؤمنين، وقال قتادة‏:‏ في اللوح المحفوظ عند الله تعالى، والله الموفق بمنه وكرمه، وصلى الله على سيدنا محمد؛ وآله وصحبه وسلم تسليماً‏.‏

سورة الطارق

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 4‏]‏

‏{‏وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ ‏(‏1‏)‏ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ ‏(‏2‏)‏ النَّجْمُ الثَّاقِبُ ‏(‏3‏)‏ إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ ‏(‏4‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏والسماء والطارق‏}‏ قال سعيد بن جبير‏:‏ سألت ابن عباس رضي الله عنهم عن قوله‏:‏ ‏{‏والسماء والطارق‏}‏ فقال‏:‏ ‏{‏وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطارق النجم الثاقب‏}‏ وسكت فقلت له‏:‏ مالك‏؟‏ فقال‏:‏ والله ما أعلم منها، إلا ما أعلم ربي‏.‏ يعني‏:‏ تفسير الآية ما ذكر في هذه الآية، وهو قوله‏:‏ والنجم الثاقب‏.‏ يعني‏:‏ هو الطارق‏.‏ وروي عن ابن عباس، رضي الله عنهما في رواية أخرى‏.‏ ‏{‏والسماء والطارق‏}‏ قال الطارق الكواكب التي تطرق في الليل، وتخفى في النهار، ‏{‏وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطارق‏}‏ على وجه التعجب والتعظيم‏.‏

ثم بيّن فقال ‏{‏النجم الثاقب‏}‏ يعني‏:‏ هو النجم المضيء‏.‏ وقال مجاهد‏:‏ ‏{‏الثاقب‏}‏ الذي يتوهج‏.‏ وقال الحسن البصري ‏{‏الثاقب‏}‏ هو النجم، حين يرسل على الشياطين، فيثقبه، يعني‏:‏ فيحرقه‏.‏ وقال قتادة‏:‏ ‏{‏النجم الثاقب‏}‏ يعني‏:‏ يطرق بالليل، ويخنس بالنهار فأقسم الله تعالى بالسماء ونجومها‏.‏ ويقال‏:‏ بخالق السماء ونجومها ‏{‏إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ‏}‏ وهذا جواب القسم، يعني‏:‏ ما من نفس إلا عليها حافظ من الملائكة، يحفظ قولها وفعلها‏.‏ قرأ عاصم وحمزة، وابن عامر، ‏{‏إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا‏}‏ بتشديد الميم، والباقون ‏{‏لَّمَّا عَلَيْهَا‏}‏ بالتخفيف، فمن قرأ بالتشديد، فمعناه ما من نفس إلا وعليها حافظ، فيكون لما بمعنى إلا، ومن قرأ بالتخفيف جعل ما مؤكدة، ومعناه كل نفس عليها حافظ‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏5- 10‏]‏

‏{‏فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ ‏(‏5‏)‏ خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ ‏(‏6‏)‏ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ ‏(‏7‏)‏ إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ ‏(‏8‏)‏ يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ ‏(‏9‏)‏ فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ ‏(‏10‏)‏‏}‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏فَلْيَنظُرِ الإنسان مِمَّ خُلِقَ‏}‏ يعني‏:‏ فليعتبر الإنسان من ماذا خلق‏.‏ قال بعضهم‏:‏ نزلت في شأن أبي طالب، ويقال نزلت في جميع من أنكر البعث‏.‏ ثم بين أول خلقهم ليعتبروا فقال‏:‏ ‏{‏خُلِقَ مِن مَّاء دَافِقٍ‏}‏ يعني‏:‏ من ماء مهراق في رحم الأم، ويقال‏:‏ دافق بمعنى مدفوق‏.‏ كقوله ‏{‏فَهُوَ فِى عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ‏}‏ ‏[‏القارعة‏:‏ 7‏]‏ أي‏:‏ مرضية ثم قال‏:‏ ‏{‏يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصلب والترائب‏}‏ يعني‏:‏ خلق من مائين، من ماء الأب يخرج من بين الصلب، ومن ماء الأم يخرج من الترائب‏.‏ والترائب‏:‏ موضع القردة كما قال امرؤ القيس

مهفهفة بيضاء غير مفاضة *** ترائبها مصقولة كالسجنجل

ثم قال‏:‏ ‏{‏إِنَّهُ على رَجْعِهِ لَقَادِرٌ‏}‏ يعني‏:‏ على بعثه وإعادته بعد الموت لقادر، ويقال على رجعه إلى صلب الآباء، وترائب الأمهات لقادر، والتفسير الأول أصح لأنه قال‏:‏ ‏{‏يَوْمَ تبلى السرائر‏}‏ يعني‏:‏ تظهر الضماير‏.‏ ويقال‏:‏ يختبر السرائر ‏{‏فَمَا لَهُ مِن قُوَّةٍ وَلاَ نَاصِرٍ‏}‏ يعني‏:‏ ليس له قوة يدفع العذاب عن نفسه، ولا مانع يمنع العذاب عنه‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏11- 17‏]‏

‏{‏وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ ‏(‏11‏)‏ وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ ‏(‏12‏)‏ إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ ‏(‏13‏)‏ وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ ‏(‏14‏)‏ إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا ‏(‏15‏)‏ وَأَكِيدُ كَيْدًا ‏(‏16‏)‏ فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا ‏(‏17‏)‏‏}‏

وقوله‏:‏ ‏{‏والسماء ذَاتِ الرجع‏}‏ فهو قسم، أقسم الله تعالى بخالق السماء ذات الرجع، يعني‏:‏ يرجع السحاب بالمطر، بعد المطر والسحابة بعد السحابة ‏{‏والارض ذَاتِ الصدع‏}‏ يعني‏:‏ يتصدع فيخرج ما بالنبات والثمار، فيجعلها قوتاً لبني آدم عليه السلام ويقال‏:‏ ذات الصدع يعني‏:‏ ذات الأودية، وهو قول مجاهد وقال قتادة‏:‏ يعني‏:‏ ذات النبات ‏{‏إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ‏}‏ يعني‏:‏ القرآن قول حق وجد ‏{‏وَمَا هوَ بالهزل‏}‏ يعني‏:‏ باللعب ويقال لم ينزل بالباطل قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً‏}‏ يعني‏:‏ يمكرون مكراً وهم أهل مكة في دار الندوة ويقال يكيدون كيداً يعني يصنعون أمراً وهو الشرك والمعصية ‏{‏وَأَكِيدُ كَيْداً‏}‏ يعني‏:‏ أصنع لهم أمراً، وهو القتل في الدنيا والعذاب في الآخرة قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَمَهّلِ الكافرين‏}‏ يعني‏:‏ أجل الكافرين ويقال‏:‏ خل عنهم ‏{‏أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً‏}‏ يعني‏:‏ أجلهم قليلاً أي إلى وقت الموت ويقال إنهم يكيدون كيداً بمعنى‏:‏ الخراصون الذين يحبسون في كل طريق يعني‏:‏ يصدون الناس عن دينه يعني يحبسون الناس في كل طريق يصدون الناس عن دينه‏.‏ وروى عبد الرزاق عن أبي وائل عن همام مولى عثمان قال لما كتبوا المصحف شكوا في ثلاث آيات فكتبوها في كتف شاة وأرسلوها إلى أبي بن كعب وزيد بن ثابت فدخلت عليهما فناولتهما أبياً فقرأها فكان فيها لا تبديل لخلق الله وكان فيها لم يتسن فكتب لم يتسنه وكان فيها فأمهل الكافرين فمحى الألف وكتب فمهل الكافرين ونظر فيها زيد بن ثابت فانطلقت بها إليهم فناولتها زيد بن ثابت إليهم فأثبتوها في المصحف ‏{‏أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً‏}‏ يعني‏:‏ أجلهم قليلاً فإن أجل الدنيا كلها قليل‏.‏

سورة الأعلى

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 5‏]‏

‏{‏سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ‏(‏1‏)‏ الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى ‏(‏2‏)‏ وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى ‏(‏3‏)‏ وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى ‏(‏4‏)‏ فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى ‏(‏5‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏سَبِّحِ اسم رَبّكَ الاعلى‏}‏ قال الكلبي‏:‏ يعني صلِّ بأمر ربك، ويقال سبح هو من التنزيه والبراءة يعني نَزِّه ربك، والاسم صلة، ويقال‏:‏ ‏{‏سَبِّحِ اسم رَبّكَ الاعلى‏}‏ يعني‏:‏ قل سبحان ربي الأعلى كما روي في الخبر أنه قيل‏:‏ يا رسول الله ما نقول في ركوعنا فنزل ‏{‏سَبِّحِ اسم رَبّكَ الاعلى‏}‏ بمعنى العالي كقوله أكبر بمعنى الكبير والعلو هو القهر والغلبة يعني أمره نافذ على خلقه فلما نزل ‏{‏فَسَبّحْ باسم رَبّكَ العظيم‏}‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «اجْعَلُوها فِي رِكُوعِكُم» فقالوا‏:‏ فما نقول في سجودنا‏؟‏ فنزل ‏{‏سَبِّحِ اسم رَبّكَ الاعلى‏}‏ قال عليه السلام‏:‏ «اجْعَلُوها فِي سِجُودِكُم» ويقال‏:‏ «سبح اسم ربك» يعني‏:‏ اذكر توحيد ربك الأعلى، ويقال كان بدء قوله‏:‏ «سبحان ربي الأعلى» أي ميكائيل خطر على باله عظمة الرب جلا وعلا سلطانه فقال‏:‏ يا رب أعطني قوة حتى أنظر إلى عظمتك، وسلطانك، فأعطاه قوة أهل السموات فطار خمسة آلاف سنة فنظر فإذا الحجاب على حاله واحترق جناحه من نور العرش ثم سأل القوة فأعطاه القوة ضعف ذلك فجعل يطير ويرتفع عشرة آلاف سنة حتى احترق جناحه وصار في آخره كالفرخ ورأى الحجاب والعرش على حاله فخر ساجداً وقال‏:‏ «سبحان ربي الأعلى» يعني‏:‏ تعالى من أن يكون محسوساً معقولاً ثم سأل ربه أن يعيده إلى مكانه إلى حاله الأولى ثم قال عز وجل‏:‏ ‏{‏الذى خَلَقَ فسوى‏}‏ يعني‏:‏ الذي خلق كل ذي روح، وجميع خلقه، ويقال‏:‏ سبح الله تعالى الذي خلقك فسوى خلقك يعني‏:‏ اليدين والرجلين والعينين ولم يخلقك زمناً ولا مكفوفاً، كما قال وصوَّركم فأحسن صوركم قوله تعالى‏:‏ ‏{‏والذى قَدَّرَ فهدى‏}‏ يعني‏:‏ قدر لكل شيء شكله، يعني لكل ذكر وأنثى من شكله وهداه للأكل والشرب والجماع، ويقال الذي قدر فهدى يعني فهداه السبيل إما شاكراً وإما كفوراً ويقال الذي قدر فهدى سبح لله الذي خلقك وقدر آجالك وأرزاقك وأعمالك وهداك إلى المعرفة والإسلام والأكل والشرب فصلّ بابن آدم وسبح لهذا المنعم المكرم السيد الذي هو الأحد الصمد، ‏{‏هُوَ الاول والاخر والظاهر والباطن وَهُوَ بِكُلِّ شَئ عَلِيمٌ‏}‏ ‏[‏الحديد‏:‏ 3‏]‏ ثم قال عز وجل‏:‏ ‏{‏والذى أَخْرَجَ المرعى‏}‏ يعني‏:‏ أنبت الكلأ ويقال هو العشب والحشيش وألقت وما أشبه، قرأ الكسائي‏:‏ ‏{‏والذى قَدَّرَ‏}‏ بالتخفيف، والباقون بالتشديد ومعناها واحد يقال‏:‏ قدره الأمر وقدرته قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَجَعَلَهُ غُثَاء أحوى‏}‏ يعني‏:‏ جعل المرعى يابساً بعد خضرته، وقال القتبي‏:‏ غثاء يعني يابساً، أحوى يعني أسود من قدمه واحتراقه‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏6- 13‏]‏

‏{‏سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى ‏(‏6‏)‏ إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى ‏(‏7‏)‏ وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى ‏(‏8‏)‏ فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى ‏(‏9‏)‏ سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى ‏(‏10‏)‏ وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى ‏(‏11‏)‏ الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى ‏(‏12‏)‏ ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى ‏(‏13‏)‏‏}‏

ثم قال عز وجل‏:‏ ‏{‏سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تنسى‏}‏ يعني‏:‏ سنعلمك القرآن وينزل عليك فلا تنسى إلا ما شاء الله، يعني‏:‏ قد شاء الله أن لا تنسى القرآن فلم ينس القرآن بعد نزول هذه الآية‏.‏ وكان النبي صلى الله عليه وسلم يأخذ في قراءته قبل أن يفرغ جبريل عليه السلام مخافة أن ينساه ويقال‏:‏ ‏{‏سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تنسى‏}‏ يعني‏:‏ سنحفظ عليك حتى لا تنسى شيئاً، ويقال إن جبريل عليه السلام كان ينزل عليه في كل زمان ويقرأ عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ويبين له ما نسخ فذلك قوله‏:‏ ‏{‏إِلاَّ مَا شَاء الله‏}‏ يعني‏:‏ إلا ما شاء الله أن يرفعه وينسخه ويذهب من قلبك ثم قال تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّهُ يَعْلَمُ الجهر وَمَا يخفى‏}‏ يعني‏:‏ يعلم العلانية والسر، ويقال‏:‏ ما يجهر به الإمام في الفجر والمغرب والعشاء والجمعة وما يخفى يعني‏:‏ في الظهر والعصر والسنن، ويقال‏:‏ ‏{‏يَعْلَمْ‏}‏ ما يظهر من أفعال العباد وأقوالهم ‏{‏وَمَا يخفى‏}‏ من أقوالهم وأفعالهم، ويقال‏:‏ ‏{‏يَعْلَمْ‏}‏ ما عمل العباد ‏{‏وَمَا يخفى‏}‏ يعني ما لم يعملوه وهم عاملوه ثم قال عز وجل‏:‏ ‏{‏وَنُيَسّرُكَ لليسرى‏}‏ يعني‏:‏ سنهوّن عليك حفظ القرآن وتبليغ الرسالة، ويقال‏:‏ يعني نعينك على الطاعة، قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَذَكّرْ‏}‏ يعني‏:‏ فعِظْ بالقرآن الناس ‏{‏إِن نَّفَعَتِ الذكرى‏}‏ يعني‏:‏ إن نفعتهم العظة ومعناه ما نفعت العظة بالقرآن إلا لمن يخشى ويقال إن نفعت الذكرى يعني إن قولك ودعوتك تنفع لكل قلب عاقل ويقال‏:‏ ‏{‏وَنُيَسّرُكَ لليسرى‏}‏ يعني‏:‏ نهون عليك عمل أهل الجنة ثم قال‏:‏ ‏{‏سَيَذَّكَّرُ مَن يخشى‏}‏ يعني‏:‏ يتعظ بالقرآن من يخشى الله تعالى ويسلم ويقال‏:‏ معناه سيتعظ ويؤمن ويعمل صالحاً من يخشى قلبه من عذاب الله تعالى ‏{‏وَيَتَجَنَّبُهَا‏}‏ يعني‏:‏ يتباعد عنها يعني‏:‏ عن عظتك ‏{‏الاشقى‏}‏ يعني‏:‏ الشقي الذي وجب في علم الله تعالى أنه يدخل النار مثل الوليد وأبي جهل ومن كان مثل حالهما ‏{‏الذى يَصْلَى النار الكبرى‏}‏ يعني‏:‏ يدخل يوم القيامة النار الكبرى يعني‏:‏ النار العظمى لأن نار الدنيا هي النار الصغرى ونار الآخرة هي النار الكبرى، وروى يونس عن الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ «إِنَّ نَارَكُم هذه جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءاً مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ وَقَدْ غُمِسْتُ فِي النَّار مَرَتَين لِيُدْنَى مِنْهَا وَيُنْتَفَعَ بِهَا وَلُولاَ ذَلِكَ مَا دَنَوتُم مِنْها» ويقال‏:‏ إنها تستجير أن ترد إلى جهنم يعني‏:‏ تتعوذ منها وقال بعض الحكماء‏:‏ علامة الشقاوة تسع أشياء كثرة الأكل، والشرب، والنوم، والإصرار على الذنب، والغيبة، وقساوة القلب، وكثرة الذنوب، ونسيان الموت، والوقوف بين يدي الملك عز وجل، وهذا هو الشقي الذي يدخل النار الكبرى ‏{‏ثُمَّ لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يحيى‏}‏ يعني‏:‏ لا يموت في النار حتى يستريح من عذابها ولا يحيا حياة تنفعه، وقال القتبي معناه‏:‏ هو العذاب بحال من يموت ولا يموت‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏14- 19‏]‏

‏{‏قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى ‏(‏14‏)‏ وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى ‏(‏15‏)‏ بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ‏(‏16‏)‏ وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى ‏(‏17‏)‏ إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى ‏(‏18‏)‏ صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى ‏(‏19‏)‏‏}‏

ثم قال عز وجل‏:‏ ‏{‏قَدْ أَفْلَحَ مَن تزكى‏}‏ يعني فاز ونجا من هذا العذاب وسعد بالجنة من تزكى يعني وحّد الله تعالى وزكى نفسه بالتوحيد ‏{‏وَذَكَرَ اسم رَبّهِ‏}‏ يعني‏:‏ توحيد ربه ‏{‏فصلى‏}‏ مع الإمام الصلوات الخمس، ويقال ‏{‏قَدْ أَفْلَحَ مَن تزكى‏}‏ يعني‏:‏ أدى زكاة الفطر ‏{‏وَذَكَرَ اسم رَبّهِ فصلى‏}‏ مع الإمام صلاة العيد‏.‏ ويقال‏:‏ ‏{‏قَدْ أَفْلَحَ مَن تزكى‏}‏ يعني‏:‏ أدى زكاة المال، يعني نجا من خصومة الفقراء يوم القيامة ‏{‏وَذَكَرَ اسم رَبّهِ فصلى‏}‏ يعني‏:‏ كبّر وصلى لله تعالى، ويقال‏:‏ ‏{‏مَن تزكى‏}‏ يعني‏:‏ تاب من الذنوب ‏(‏وذكر اسم ربه‏)‏ يعني‏:‏ إذا سمع الآذان خرج إلى الصلاة ثم ذم تارك الجماعة لأجل الاشتغال بالدنيا فقال‏:‏ ‏{‏بَلْ تُؤْثِرُونَ الحياة الدنيا‏}‏ يعني‏:‏ تختارون عمل الدنيا على عمل الآخرة، قرأ أبو عمرو‏:‏ ‏{‏بَلِ‏}‏ بالياء على معنى الخبر عنهم والباقون بالتاء على معنى المخاطبة ثم قال عز وجل‏:‏ ‏{‏الدنيا والاخرة خَيْرٌ وأبقى‏}‏ يعني‏:‏ عمل الآخرة خير وأبقى من اشتغال الدنيا وزينتها، ويقال معناه يختارون عيش الدنيا الفانية على عيش الآخرة الباقية وإن عيش الآخرة خير وأبقى لأن في عيش الدنيا عيوباً كثيرة خوف المرض والموت والفقر والذل والهوان والزوال والحبس والمنع وما أشبه ذلك وليس في عيش الآخرة شيء من هذه العيوب، لأجل هذا قيل خير من الدنيا قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّ هذا لَفِى الصحف الاولى‏}‏ يعني‏:‏ الذي ذكر في هذه السورة كان في الصحف الأولى يعني‏:‏ في الكتب الأولى ثم فسره فقال‏:‏ ‏{‏صُحُفِ إبراهيم وموسى‏}‏ ويقال‏:‏ الذي ذكر في آخر السورة أربع آيات لفي كتب الأولين وكل كتاب مكتوب يسمى الصحف يعني في قوله‏:‏ ‏{‏قَدْ أَفْلَحَ مَن تزكى‏}‏ الخ الآية‏.‏

سورة الغاشية

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 15‏]‏

‏{‏هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ ‏(‏1‏)‏ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ ‏(‏2‏)‏ عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ ‏(‏3‏)‏ تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً ‏(‏4‏)‏ تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آَنِيَةٍ ‏(‏5‏)‏ لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ ‏(‏6‏)‏ لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ ‏(‏7‏)‏ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ ‏(‏8‏)‏ لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ ‏(‏9‏)‏ فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ ‏(‏10‏)‏ لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً ‏(‏11‏)‏ فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ ‏(‏12‏)‏ فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ ‏(‏13‏)‏ وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ ‏(‏14‏)‏ وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ ‏(‏15‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الغاشية‏}‏ هل استفهام، واستفهم الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم، ولم يكن أتاه بعد، فكأنه قال‏:‏ لا يأتيك خبره، ثم أخبره‏.‏ ويقال‏:‏ معناه‏:‏ قد أتاك حديث الغاشية، والغاشية اسم من أسماء يوم القيامة، وإنما سميت غاشية، لأنها تغشى الخلق كلهم‏.‏ كما يقال‏:‏ يوماً كان شره مستطيراً، ويقال‏:‏ الغاشية النار، وإنما سميت غاشية، لأنها تغشي وجوه الكفار‏.‏ كما قال‏:‏ ‏{‏وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا موسى بأاياتنآ أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظلمات إِلَى النور وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ الله إِنَّ فِى ذلك لآيات لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ‏}‏ ‏[‏إبراهيم‏:‏ 5‏]‏ أو كقوله‏:‏ ‏{‏يَوْمَ يغشاهم العذاب مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيِقُولُ ذُوقُواْ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ‏}‏ ‏[‏العنكبوت‏:‏ 55‏]‏ ويقال‏:‏ الغاشية دخان النار، يخرج من النار يوم القيامة، عنق من النار، فيحيط بالكفار مثل السرادق، ويجيء دخانها، فيغشى الخلائق، حتى لا يرى بعضهم بعضاً، إلا من جعل الله تعالى له نوراً، بصالح عمله في الدنيا كقوله‏:‏ ‏{‏كَأَنَّهُ جمالة صُفْرٌ‏}‏ ‏[‏المرسلات‏:‏ 33‏]‏ وكقوله‏:‏ ‏{‏وَظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ‏}‏ ‏[‏الواقعة‏:‏ 43‏]‏ ويقال‏:‏ تغشى الغاشية الصراط المنافقين‏.‏ كقوله‏:‏ ‏{‏يَوْمَ يَقُولُ المنافقون والمنافقات لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ انظرونا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ قِيلَ ارجعوا وَرَآءَكُمْ فالتمسوا نُوراً فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرحمة وظاهره مِن قِبَلِهِ العذاب‏}‏ ‏[‏الحديد‏:‏ 13‏]‏ الآية‏.‏

ثم وصف ذلك اليوم وقال‏:‏ ‏{‏وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشعة‏}‏ يعني‏:‏ من الوجوه، وجوه يومئذ خائفة، ذليلة في العذاب‏.‏ وهي وجوه الكفار‏.‏ ثم قال‏:‏ ‏{‏عَامِلَةٌ‏}‏ يعني‏:‏ تُجَرُّ على وجوهها في النار ‏{‏نَّاصِبَةٌ‏}‏ يعني‏:‏ من تعب وعذاب في النار‏.‏ ويقال‏:‏ ‏{‏عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ‏}‏ يعني‏:‏ تكلف الصعود على عتبة ملساء من النار، فيرتقيها في عناء ومشقة، فإذا ارتقى إلى ذروتها، هبط منها إلى أسفلها‏.‏ ويقال‏:‏ نزلت في رهبان النصارى، عاملة في الدنيا، ناصبة في العبادة، أشقياء في الدنيا والآخرة‏.‏ ويقال‏:‏ عاملة في الدنيا بالمعاصي والذنوب، ناصبة في الآخرة بالعذاب ‏{‏تصلى نَاراً حَامِيَةً‏}‏ يعني‏:‏ تدخل ناراً حارة، قد أوقدت ثلاثة آلاف سنة، حتى اسودّت‏.‏ فهي سوداء مظلمة‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏تسقى مِنْ عَيْنٍ ءانِيَةٍ‏}‏ أي‏:‏ من عين حارة، قد انتهى حرُّها ‏{‏لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ‏}‏ وهذا في بضع دركها ‏{‏إِلاَّ مِن ضَرِيعٍ‏}‏ قرأ أبو عمرو، وعاصم في رواية أبي بكر، بضم التاء ‏{‏تصلى نَاراً‏}‏ وقرأ الباقون، بالنصب‏.‏ فمن قرأ بالضم لمعنى المفعول الذي لم يسم فاعله، ونصب ناراً على أنه مفعول ثان، ومن قرأ بالنصب، جعل الفعل الذي يدخل النار، وهو كناية عن الوجوه‏.‏ ولهذا ذكره بلفظ التأنيث‏.‏ ثم قال‏:‏ ‏{‏لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلاَّ مِن ضَرِيعٍ‏}‏ والضريع نبات بين طريق مكة واليمن فإذا أكل الكفار منه بقي في حلقهم ‏{‏لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلاَّ مِن ضَرِيعٍ‏}‏ يعني‏:‏ غير الضريع ‏{‏لاَّ يُسْمِنُ‏}‏ يعني‏:‏ لا يشبع الضريع ‏{‏وَلاَ يُغْنِى مِن جُوعٍ‏}‏ يعني‏:‏ ولا ينفع من جوع، وهذا الجزاء، للذي يتعب نفسه للعمل في الدنيا والمعاصي، وما لا يحتاج إليه‏.‏

ثم وصف مكان الذي يعمل لله تعالى، ويترك عمل المعصية، ويؤدي ما أمر الله تعالى، ويترك ما نهي عنه فقال‏:‏ ‏{‏وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاعِمَةٌ‏}‏ يعني‏:‏ من الوجوه ما تكون ناعمة، يعني‏:‏ في نعمة وكرامة، وهي وجوه المؤمنين والتائبين، والصالحين‏.‏ ويقال‏:‏ ‏{‏وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاعِمَةٌ‏}‏ يعني‏:‏ مشرقة مضيئة، مثل القمر ليلة البدر ‏{‏لِّسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ‏}‏ يعني‏:‏ لثواب عملها راضية‏.‏ ويقال‏:‏ لثواب سعيه، الذي عمل في الدنيا من الخير‏.‏ يعني‏:‏ رأى ثوابه في الجنة، ‏{‏رَّاضِيَةٍ‏}‏ مرضية، رضي الله عنه بعمله في الدنيا، ورضي العبد من الله تعالى في الآخرة‏.‏ من الثواب ‏{‏فِى جَنَّةٍ عَالِيَةٍ‏}‏ يعني‏:‏ ذلك الثواب في جنة عالية، مرتفعة في الدرجات العلى‏.‏ وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال‏:‏ «إنَّ المُتَحَابِّينَ لله تَعَالَى فِي غُرْفَةٍ، يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ أَهْلُ الجَنَّةِ، كَمَا يَنْظُرُ أَهْلُ الأَرْضِ إلَى كَوَاكِبِ السَّمَاءِ»‏.‏

ثم قال عز وجل‏:‏ ‏{‏لاَّ تَسْمَعُ فِيهَا لاغية‏}‏ يعني‏:‏ لا يكون في الجنة لغو ولا باطل، وليس فيها غل ولا غش‏.‏ قرأ نافع لا تُسمع بضم تاء التأنيث، لأن اللاغية مؤنثة‏.‏ وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، لا يسمع بضم الياء على معنى‏:‏ فعل، ما لم يسم فاعله، وإنما ذكر بلفظ التذكير، لأنه انصرف إلى المعنى‏.‏ يعني‏:‏ إلى اللغو‏.‏ وروي عن ابن كثير، ونافع في إحدى الروايتين، بنصب التاء، يعني‏:‏ لا تسمع في الجنة أيها الداخل، كلمة لغو، لأن أهل الجنة، لا يتكلمون إلا بالحكمة، وحمد الله تعالى‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ‏}‏ يعني‏:‏ في الجنة، عين جارية ماؤها أشد بياضاً من اللبن، وأحلى من العسل، فمن شرب منه شربة لا يظمأ بعدها أبداً، ويذهب من قلبه الغل، والغش والحسد، والعداوة والبغضاء‏.‏ ثم قال‏:‏ ‏{‏فِيهَا سُرُرٌ مَّرْفُوعَةٌ‏}‏ يعني‏:‏ مرتفعة ‏{‏وَأَكْوَابٌ مَّوْضُوعَةٌ‏}‏ يعني‏:‏ الكيزان التي لا عرى لها، مدورة الرأس ‏{‏وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ‏}‏ يعني‏:‏ فيها وسائد، قد صف بعضها إلى بعض على الطنافس‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏16- 26‏]‏

‏{‏وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ ‏(‏16‏)‏ أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ ‏(‏17‏)‏ وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ ‏(‏18‏)‏ وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ ‏(‏19‏)‏ وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ ‏(‏20‏)‏ فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ ‏(‏21‏)‏ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ ‏(‏22‏)‏ إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ ‏(‏23‏)‏ فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ ‏(‏24‏)‏ إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ ‏(‏25‏)‏ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ ‏(‏26‏)‏‏}‏

‏{‏وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ‏}‏ قال القتبي‏:‏ الزرابي الطنافس‏.‏ ويقال‏:‏ البُسُط واحدها زربي‏.‏ ثم قال عز وجل‏:‏ ‏{‏مَبْثُوثَةٌ‏}‏ أي‏:‏ كثيرة متفرقة أو مبسوطة، والنمارق الوسايد واحدها نمرقة، والمؤمن جالس فوق هذا كله، وعلى رأسه نور وضاء، كأنهن الياقوت والمرجان، جزاءً بما كانوا يعملون، فإن شك شاك فيها فتعجب، وقال‏:‏ كيف هذا وهو غائب عنا، فقل انظر إلى صنعة الرب تبارك وتعالى في الدنيا‏.‏ وهو قوله‏:‏ ‏{‏أَفَلاَ يَنظُرُونَ إِلَى الإبل كَيْفَ خُلِقَتْ‏}‏ يعني‏:‏ خلق من قطرة ماء خلقاً عظيماً، يُحْمَل عليها، وإنما خص ذكر الإبل، لأن الإبل كانت أقرب الأشياء إلى العرب‏.‏

ثم قال عز وجل‏:‏ ‏{‏وَإِلَى السماء‏}‏ يعني‏:‏ أفلا ينظرون إلى السماء ‏{‏كَيْفَ رُفِعَتْ‏}‏ بلا عمد تحتها، وحبست في الهواء بقدرة الرب سبحانه وتعالى‏.‏ ثم قال‏:‏ ‏{‏وَإِلَى الجبال‏}‏ يعني‏:‏ أفلا ينظرون إلى الجبال ‏{‏كَيْفَ نُصِبَتْ‏}‏ على ظهر الأرض أوتاداً لها، وليس جبل من الجبال، إلا وله عرق من قاف، وملك موكل بجبل‏.‏ فإذا أراد الله تعالى بأهل أرض شيئاً، أوحى الله تعالى إلى الملك الموكل بذلك الجبل، فيحرك تلك العروق، فيتزلزل‏.‏ ثم قال‏:‏ ‏{‏وَإِلَى الارض كَيْفَ سُطِحَتْ‏}‏ يعني‏:‏ بسطت على ظهر الماء‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏فَذَكّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكّرٌ‏}‏ يعني‏:‏ فذكر يا محمد صلى الله عليه وسلم وخوفهم بالعذاب في الآخرة ‏{‏إِنَّمَا أَنتَ مُذَكّرٌ‏}‏ يعني‏:‏ مخوفاً بالقرآن ‏{‏لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُسَيْطِرٍ‏}‏ يعني‏:‏ بمسلط تجبرهم على الإسلام، وهذا قبل أن يؤمر بالقتال‏.‏ وقال مقاتل‏:‏ في الآية تقديم يعني‏:‏ فذكر ‏{‏إِلاَّ مَن تولى‏}‏ يعني‏:‏ أعرض عن الإيمان ‏{‏وَكَفَرَ‏}‏ بالله تعالى ‏{‏فَيْعَذّبُهُ الله العذاب الاكبر‏}‏ فيدخله النار، وهو العذاب الأكبر الدائم، وهو عذاب النار، حرها شديد، ومقرها بعيد، ومقامها حديد‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ‏}‏ يعني‏:‏ إن إلينا مرجعهم بعد الموت ‏{‏ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ‏}‏ يعني‏:‏ إن مرجعهم إلينا بعد الموت ‏{‏ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ‏}‏ يعني‏:‏ يحاسبون بكل صغيرة وكبيرة، وقليل وكثير كما قال‏:‏ لا يغادر صغيرة ولا كبيرة، إلا أحصاها‏.‏ ويقال‏:‏ إن علينا حسابهم يعني‏:‏ جزاءهم بأعمالهم، يعني‏:‏ ثوابهم بما عملوا، والله أعلم بالصواب‏.‏

سورة الفجر

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 3‏]‏

‏{‏وَالْفَجْرِ ‏(‏1‏)‏ وَلَيَالٍ عَشْرٍ ‏(‏2‏)‏ وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ ‏(‏3‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏والفجر‏}‏ هو قسم، وجوابه‏:‏ إن ربك لبالمرصاد أقسم الله تعالى بالفجر يعني‏:‏ الصبح، والفجر فجران المستطيل، وهو من الليل والفجر، المعترض وهو من النهار‏.‏ ويقال‏:‏ أراد به أول يوم من المحرم‏.‏ ثم قال عز وجل‏:‏ ‏{‏وَلَيالٍ عَشْرٍ‏}‏ يعني‏:‏ عشر ذي الحجة، ويقال‏:‏ إنها الأيام العشر، التي صام فيها موسى عليه السلام، وهي قوله‏:‏ ‏{‏وواعدنا موسى ثلاثين لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ ميقات رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ موسى لاًّخِيهِ هارون اخلفنى فِى قَوْمِى وَأَصْلِحْ وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ المفسدين‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 142‏]‏‏.‏ ويقال‏:‏ هي أيام عاشوراء‏.‏

ثم قال عز وجل‏:‏ ‏{‏والشفع والوتر‏}‏ قال قتادة‏:‏ الخلق كله شفع ووتر، فأقسم الله تعالى بالخلق‏.‏ وروى الحارث، عن علي رضي الله عنه، أنه قال‏:‏ الشفع آدم وحواء، والوتر الله سبحانه وتعالى‏.‏ قال ابن عباس‏:‏ الوتر آدم فتشفع بزوجته حواء، وقال عطاء‏:‏ الشفع الناس، والوتر الله سبحانه وتعالى‏.‏ وقال الحسن‏:‏ الشفع هو الخلق، والذكر والأنثى، والوتر الله تعالى‏.‏ ويقال‏:‏ أقسم بالصلوات، والصلوات منها ما هو شفع، وهو الفجر، والظهر والعصر، والعشاء ومنها ما هو وتر وهو الوتر في المغرب‏.‏ ويقال‏:‏ إنما هو الأعداد كلها، شفع ووتر‏.‏ وعن ابن عباس‏:‏ الشفع أيام الذبح، والوتر يوم عرفة‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏4- 14‏]‏

‏{‏وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ ‏(‏4‏)‏ هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ ‏(‏5‏)‏ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ ‏(‏6‏)‏ إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ ‏(‏7‏)‏ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ ‏(‏8‏)‏ وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ ‏(‏9‏)‏ وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ ‏(‏10‏)‏ الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ ‏(‏11‏)‏ فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ ‏(‏12‏)‏ فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ ‏(‏13‏)‏ إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ ‏(‏14‏)‏‏}‏

قال عز وجل‏:‏ ‏{‏واليل إِذَا يَسْرِ‏}‏ قال الكلبي‏:‏ يعني‏:‏ ليلة المزدلفة، يسير الخلق إلى المزدلفة‏.‏ وقال القتبي‏:‏ ‏{‏واليل إِذَا يَسْرِ‏}‏ يعني‏:‏ يسرى فيه، كقوله‏:‏ ليل نائم، أي‏:‏ يُنام فيه‏.‏ وقال الزجاج‏:‏ أصله تسري يسري، إلا أن الياء قد حذفت منه، وهي القراءة المشهورة بغير ياء، يقرأ بالياء‏.‏ قرأ حمزة، والكسائي، والشفع والوتر بكسر الواو‏.‏ والباقون بالنصب،، وهما لغتان‏.‏ يقال‏:‏ للفرد وَتْرٌ ووِتْر‏.‏ وقرأ ابن كثير يسر بالياء، في حالة الوصل والقطع‏.‏ وقرأ نافع بالياء، إذا وصل، وقرأ الباقون بغير ياء في الوصل والقطع، لأن الكسرة تدل عليه‏.‏

ثم قال عز وجل‏:‏ ‏{‏هَلْ فِى ذَلِكَ قَسَمٌ لّذِى حِجْرٍ‏}‏ يعني‏:‏ أن هذا الذي ذكرناه، قسماً لذي لب من الناس‏.‏ ويقال‏:‏ إن في ذلك قسم صدق، لذي عقل ولب ورشد، والحجر اللب‏.‏ ثم قال عز وجل‏:‏ ‏{‏أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ‏}‏ يعني‏:‏ ألم تعلم، ويقال‏:‏ ألم تخبر، واللفظ لفظ الاستفهام، والمراد به التقدير، يعني‏:‏ فذلك خبر عاد ‏{‏إِرَمَ ذَاتِ العماد‏}‏ يعني‏:‏ عاقبة قوم عاد، وقال بعضهم‏:‏ هما عادان، أحدهما عاد وإرم، والآخر هم قوم هود‏.‏ وقال بعضهم‏:‏ كلاهما واحد، ويقال‏:‏ إرم اسم للجنة التي بناها، فمات قبل أن يدخلها، وذكر فيها حكاية طويلة عن وهب بن منبه‏.‏ ثم قال‏:‏ ‏{‏ذَاتِ العماد‏}‏ يعني‏:‏ الفساطيط، والعمود عمود الفسطاط‏.‏

‏{‏التى لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِى البلاد‏}‏ يعني‏:‏ في القوة والطول، ويقال‏:‏ ‏{‏ذَاتِ العماد‏}‏ يعني‏:‏ ذات القوة، ويقال‏:‏ ‏{‏ذَاتِ العماد‏}‏ يعني‏:‏ دائم الملك، طويل العمر‏.‏ ويقال‏:‏ ‏{‏ذَاتِ العماد‏}‏ أي‏:‏ ذات البناء الرفيع‏.‏ وروى أسباط، عن السدي قال‏:‏ عاد بن إرم، فنسبهم إلى أبيهم الأكبر‏.‏ كقولك‏:‏ بكر بن وائل‏.‏ ويقال‏:‏ لا ينصرف إرم، لأنه اسم قبيلة‏.‏ وقال مقاتل‏:‏ ‏{‏ذَاتِ العماد‏}‏ يعني‏:‏ طولها اثنا عشر ذراعاً ‏{‏التى لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِى البلاد‏}‏ في الطول والقوة، وإرم اسم أب قبيلة ينسب إليهم، وهو إرم بن سمك، بن نسمك، بن سام، بن نوح عليه السلام‏.‏ وقال الكلبي‏:‏ ‏{‏ذَاتِ العماد‏}‏ يعني‏:‏ كانوا أهل ذات عمود وماشية، فإذا هاج العمود، يعني‏:‏ يبس العشب، رجعوا إلى منازلهم‏.‏ ويقال‏:‏ عاد وإرم شيء واحد‏.‏

ثم قال عز وجل‏:‏ ‏{‏وَثَمُودَ الذين جَابُواْ الصخر بالواد‏}‏ وهم قوم صالح، نقبوا الجبل، وقعلوا أحجاراً لا يطيق مائتا رجل بالوادي‏.‏ وقال الكلبي‏:‏ هو واد القرى‏.‏ ثم قال عز وجل‏:‏ ‏{‏وَفِرْعَوْنَ ذِى الاوتاد‏}‏ يعني‏:‏ قواد الكفرة الفجرة، الذين خلقهم الله تعالى أوتاداً في مملكته، ليكفوا عنه عدوه‏.‏ ويقال‏:‏ إن له بيتاً أوتد فيه أوتاداً، فإذا عذب أحد، طرحه فيها‏.‏

ويقال‏:‏ سمي بذي الأوتاد، لأنه كان إذا غضب على أحد، وثقه بأربعة أوتاد‏.‏ ويقال‏:‏ الأوتاد وهي الصلب، إذا غضب على أحد، صلبه كقوله لأصلبنكم ويقال ذو الأوتاد يعني ذا الملك الثابت ‏{‏الذين طَغَوْاْ فِى البلاد‏}‏ يعني‏:‏ عاداً وثمود وفرعون عصوا في البلاد ‏{‏فَأَكْثَرُواْ فِيهَا الفساد‏}‏ يعني‏:‏ أكثروا في الأرض المعاصي ‏{‏فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ‏}‏ يعني‏:‏ أرسل عليهم ربك ‏{‏سَوْطَ عَذَابٍ‏}‏ يعني‏:‏ شديد العذاب حتى أهلكهم ‏{‏إِنَّ رَبَّكَ لبالمرصاد‏}‏ يعني‏:‏ مرّ الخلق عليه‏.‏ ويقال‏:‏ ‏{‏إِنَّ رَبَّكَ لبالمرصاد‏}‏ يعني‏:‏ ملائكة ربك على الصراط، يعني‏:‏ يرصدون العباد على جسر جهنم في سبع مواضع‏.‏ وقال ابن عباس، رضي الله عنهما‏:‏ يحاسب العبد في أولها بالإيمان، فإن سلم إيمانه من النفاق والرياء، نجا وإلا تردَّى في النار، وفي الثاني‏:‏ يحاسب على الصلاة، فإن أتم ركوعها وسجودها في مواقيتها نجا، وإلا تردّى في النار، والثالث‏:‏ يحاسب على الزكاة، في النار‏.‏ وفي الخامس في الحج والعمرة، وفي السادس بالوضوء والغسل من الجنابة، وفي السابع بر الوالدين، وصلة الأرحام، ومظالم العباد فإن أداها نجا وإلا تردى في النار‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏15- 22‏]‏

‏{‏فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ ‏(‏15‏)‏ وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ ‏(‏16‏)‏ كَلَّا بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ ‏(‏17‏)‏ وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ ‏(‏18‏)‏ وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا ‏(‏19‏)‏ وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا ‏(‏20‏)‏ كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا ‏(‏21‏)‏ وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا ‏(‏22‏)‏‏}‏

ثم قال عز وجل‏:‏ ‏{‏فَأَمَّا الإنسان إِذَا مَا ابتلاه رَبُّهُ‏}‏ قال الكلبي‏:‏ نزلت في أمية بن خلف ويقال‏:‏ في أبي بن خلف، إذا ما ابتلاه، يعني‏:‏ اختبره ربه ‏{‏فَأَكْرَمَهُ‏}‏ يعني‏:‏ ورزقه ‏{‏وَنَعَّمَهُ‏}‏ يعني‏:‏ أعطاه النعمة ‏{‏فَيَقُولُ رَبّى أَكْرَمَنِ‏}‏ يعني‏:‏ اجتباني وفضلني، وأنا أهل لذلك ‏{‏وَأَمَّا إِذَا مَا ابتلاه‏}‏ بالفقر ‏{‏فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ‏}‏ قرأ أبو عمرو، وابن عامر في إحدى الروايتين، فقدّر بالتشديد، والباقون بالتخفيف، ومعناهما واحد أي‏:‏ فقتر عليه رزقه، وأصابه الجوع والأمراض ‏{‏فَيَقُولُ رَبّى أَهَانَنِ‏}‏ يعني‏:‏ طردني وعاقبني، شكاية لربه‏.‏

قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏كَلاَّ‏}‏ أي‏:‏ حقاً يعني‏:‏ ليس إهانتي وإكرامي، في نزع الماء والولد، والفقر، والمرض، ولكن إهانتي في نزع المعرفة، وإكرامي بتوفيق المعرفة، والطاعة‏.‏ وقال قتادة‏:‏ لم يكن الغنى من كرامة، ولم يكن الفقر من الذل‏.‏ ولكن الكرامة مني، بتوفيق الإسلام، والهوان مني بالخذلان عنه‏.‏ إنما المكرم من أكرم بطاعتي، والمهان من أهين بمعصيتي‏.‏ ثم قال‏:‏ ‏{‏بَل لاَّ تُكْرِمُونَ اليتيم‏}‏ يعني‏:‏ لا تعطون حق اليتيم، وكان في حجر أمية بن خلف، يتيم لا يؤدي حقه‏.‏ فنزلت الآية بسببه، فصار فيها عظة لجميع الناس‏.‏ قرأ أبو عمرو، وابن عامر في إحدى الروايتين، فقدر بالتشديد، والباقون بالتخفيف، ومعناهما واحد‏.‏

ثم قال عز وجل‏:‏ ‏{‏وَلاَ يَحُضُّ على طَعَامِ المسكين‏}‏ يعني‏:‏ لا يحثون أنفسهم، ولا غيرهم على طعام المسكين‏.‏ ويقال‏:‏ لا تحاضون على إطعام المسكين‏.‏ ويقال‏:‏ لا يحض بعضهم بعضاً‏.‏ قرأ حمزة، والكسائي، وعاصم ‏{‏وَلاَ تَحَاضُّونَ‏}‏ بالألف، يعني‏:‏ لا يحث بعضهم بعضاً‏.‏ وقرأ أبو عمرو، ولا ‏{‏يحضون‏}‏ بالياء يعني‏:‏ لا يحثون، والباقون لا تحضون بالتاء على المخاطبة‏.‏ ثم قال‏:‏ ‏{‏المسكين وَتَأْكُلُونَ التراث‏}‏ يعني‏:‏ الميراث ‏{‏أَكْلاً لَّمّاً‏}‏ يعني‏:‏ شديداً‏.‏ كقولك‏:‏ لممت الشيء إذا جمعته ومعناه يأكلون مال اليتيم، أكلاً شديداً سريعاً‏.‏

‏{‏وَتُحِبُّونَ المال‏}‏ يعني‏:‏ كثرة المال وجمع المال ‏{‏حُبّاً جَمّاً‏}‏ يعني‏:‏ شديداً‏.‏ ويقال‏:‏ كثيراً‏.‏ قرأ أبو عمرو ويكرمون، ويأكلون، ويحبون كلها بالياء على معنى الخبر عنهم‏.‏ والباقون بالتاء، على معنى الخطاب لهم‏.‏ ثم قال عز وجل‏:‏ ‏{‏كَلاَّ‏}‏ يعني‏:‏ حقاً ‏{‏إِذَا دُكَّتِ الارض دَكّاً دَكّاً‏}‏ يعني‏:‏ زلزلت الأرض زلزالها، والتكرار للتأكيد‏.‏ ثم قال‏:‏ ‏{‏وَجَاء رَبُّكَ والملك‏}‏ قال بعضهم‏:‏ هذا من المكتوم الذي لا يفسر وقال أهل السنة وجاء ربك بلا كيف وقال بعضهم معناه وجاء أمر ربك بالحساب والملك ‏{‏صَفّاً صَفّاً‏}‏ يعني‏:‏ صفوفاً، كصفوف الملائكة، وأهل الدنيا في الصلاة‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏23- 30‏]‏

‏{‏وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى ‏(‏23‏)‏ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي ‏(‏24‏)‏ فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ ‏(‏25‏)‏ وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ ‏(‏26‏)‏ يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ‏(‏27‏)‏ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً ‏(‏28‏)‏ فَادْخُلِي فِي عِبَادِي ‏(‏29‏)‏ وَادْخُلِي جَنَّتِي ‏(‏30‏)‏‏}‏

ثم قال عز وجل‏:‏ ‏{‏وَجِئ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ‏}‏ تحضر وتدنو من الكفار، وروي عن عبد الرحمن بن حاطب قال‏:‏ كنا جلوساً عند كعب يذكّرنا، فجاء عمر رضي الله عنه، فجلس ناحيته وقال‏:‏ ويحك يا كعب خوّفنا، فقال كعب‏:‏ إن جهنم لتقرب يوم القيامة، لها زفير وشهيق، حتى إذا قربت ودنت، زفرت زفرة، لا يبقى نبي ولا صديق، إلا وهو يخر ساقطاً على ركْبتيه‏.‏ فيقول‏:‏ اللهم لا أسألك اليوم إلا نفسي، ولو كان لك يا ابن الخطاب عمل سبعين نبياً، لظننت أن لا تنجو‏.‏ فقال عمر رضي الله عنه‏:‏ والله إن الأمر لشديد‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإنسان‏}‏ يعني‏:‏ يتعظ الكافر ‏{‏وأنى لَهُ الذكرى‏}‏ يعني‏:‏ من تنفعه العظة، ويقال‏:‏ يومئذ يتذكر الإنسان، يعني‏:‏ يظهر الإنسان التوبة، يعني‏:‏ أين له التوبة، يعني‏:‏ كيف تنفعه التوبة يومئذ‏.‏ ‏{‏يَقُولُ ياليتنى لَيْتَنِى قَدَّمْتُ لِحَيَاتِى‏}‏ يعني‏:‏ يا ليتني عملت في حياتي الفانية لحياتي الباقية‏.‏ ثم قال عز وجل‏:‏ ‏{‏فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُعَذّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ وَلاَ يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ‏}‏ قرأ الكسائي لا يعذب، بنصب الذال، ولا يوثق بنصب التاء‏.‏ والباقون كلاهما بالكسر، فمن قرأ بالنصب فمعناه‏:‏ ولا يعذب عذاب هذا الصنف من الكفار أحد، وكذلك لا يوثق وثاقه أحد‏.‏ ومن قرأ بالكسر، معناه لا يتولى يوم القيامة عذاب الله أحد، الملك يومئذ لله وحده، والأمر بيده‏.‏ ويقال‏:‏ معناه لا يقدر أحد‏.‏ من الخلق، أن يعذب كعذاب الله تعالى، ولا يوثق في الغل والصفد كوثاق الله‏.‏

ثم قال عز وجل‏:‏ ‏{‏أَحَدٌ يأَيَّتُهَا النفس المطمئنة‏}‏ التي اطمأنت بلقاء الله عز وجل، ويقال‏:‏ ‏{‏المطمئنة‏}‏ يعني‏:‏ الراضية بثواب الله تعالى، القانعة بعطاء الله، الشاكرة لنعمائه تعالى‏.‏ يقال لها، عند الفراق من الدنيا ‏{‏ارجعى إلى رَبّكِ‏}‏ يعني‏:‏ ارجعي إلى ثواب ربك، إلى ما أعد الله لك في الجنة‏.‏ ويقال له يوم القيامة ‏{‏رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً فادخلى فِى عِبَادِى‏}‏ يعني‏:‏ مع عبادي الصالحين في الجنة ‏{‏وادخلى جَنَّتِى‏}‏ يعني‏:‏ ادخلي الجنة بلا حساب، ويقال‏:‏ هذا الخطاب لأهل الدنيا، يعني‏:‏ ‏{‏أَيَّتُهَا النفس‏}‏ في الدنيا، التي أمنت من عذاب الله، ‏{‏المطمئنة ارجعى إلى رَبّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً‏}‏ يعني‏:‏ ‏{‏فادخلى فِى عِبَادِى‏}‏ يعني‏:‏ ادخلي في عبادي، وفي طاعتي، وادخلي في جنتي ويقال‏:‏ معناه تقول الملائكة‏:‏ يا أيتها النفس المطمئنة، ارجعي إلى ما أعد الله لك راضية، فادخلي في عبادي على محض التقديم، يعني‏:‏ يا أيتها النفس المطمئنة، الراضية بما أعطيت من الثواب، مرضية بما عملت، وادخلي جنتي مع عبادي والله تعالى أعلم‏.‏

سورة البلد

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 4‏]‏

‏{‏لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ ‏(‏1‏)‏ وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ ‏(‏2‏)‏ وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ ‏(‏3‏)‏ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ ‏(‏4‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏لاَ أُقْسِمُ بهذا البلد‏}‏ يعني‏:‏ أقسم بهذا البلد، ولا صلة في الكلام، ومعناه أقسم برب هذا البلد الذي ولد فيه يعني‏:‏ مكة ‏{‏وَأَنتَ حِلٌّ بهذا البلد‏}‏ يحلها يوم فتح مكة، معناه فسيحل لك هذا البلد، يعني‏:‏ القتال فيه ساعة من النهار، ولم يحل لك أكثر من ذلك‏.‏ وروى عبد الملك، عن عطاء في قوله‏:‏ ‏{‏وَأَنتَ حِلٌّ بهذا البلد‏}‏ وقال‏:‏ إن الله تعالى حرم مكة، فجعلها حراماً يوم خلق السموات والأرض، وهي حرام إلى أن تقوم الساعة، ولم تحل إلا للنبي صلى الله عليه وسلم ساعة من النهار‏.‏ وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه دخل بالبيت يوم الفتح، ووضع يده على باب الكعبة، فقال‏:‏ «لاَ إله إلاَّ الله وَحْدَهُ، صَدَقَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الأَحْزَابَ وَحْدَهُ، أَلاَ إنَّ الله تَعَالَى حَرَّمَ مَكَّةَ يَوْمَ خَلَقَ السموات والأَرْضَ، فَهِيَ حَرَامٌ لِي، بِحَرَامِ الله تَعَالَى إلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، لَمْ تَحِلَّ لأَحَدٍ قَبْلِي، وَلاَ تَحِلُّ لأَحَدٍ بَعْدِي، وَلَمْ تَحِلَّ لِي إلاَّ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ»‏.‏

ثم قال عز وجل‏:‏ ‏{‏وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ‏}‏ ‏{‏وَوَالِدٍ‏}‏ يعني‏:‏ آدم ‏{‏وَمَا وَلَدَ‏}‏، يعني‏:‏ ذريته‏.‏ ويقال‏:‏ كل والد وكل مولود‏.‏ وقال عكرمة ‏{‏وَوَالِدٍ‏}‏ الذي يلد ‏{‏وَمَا وَلَدَ‏}‏ التي لم تلد من النساء والرجال ‏{‏لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان فِى كَبَدٍ‏}‏ يعني‏:‏ معتدل الخلق والقامة، فأقسم بمكة وبآدم وذريته ‏{‏لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان‏}‏ منتصباً قائماً على رجلين‏.‏ وقال مقاتل‏:‏ نزلت الآية في حارث بن عامر بن نوفل‏.‏ وروى مقسم، عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏{‏لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان فِى كَبَدٍ‏}‏ قال‏:‏ خلق كل شيء يمشي على أربع، إلا الإنسان فإنه خلق منتصباً، وهذا كقوله‏:‏ ‏{‏لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان فى أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ‏}‏ ‏[‏التين‏:‏ 4‏]‏ ويقال‏:‏ ‏{‏لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان فِى كَبَدٍ‏}‏ يعني‏:‏ في مشقة وتعب‏.‏

وروي عن ابن رفاعة، عن سعيد بن الحسن، عن الحسن البصري في قوله‏:‏ ‏{‏لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان فِى كَبَدٍ‏}‏ قال سعيد‏:‏ يكابد مضايق الدنيا وشدائد الآخرة‏.‏ وقال الحسن‏:‏ لم يخلق الله تعالى خليقة، يكابد مكابدة ما يكابد ابن آدم‏.‏ وروي عن عطاء، عن ابن عباس يقول‏:‏ خلق في شدة، يعني‏:‏ مولده ونبات أسنانه وغير ذلك‏.‏ ويقال‏:‏ معناه‏:‏ ولقد خلقنا الإنسان في كبد وهي المضغة، مثل الكبد دماً غليظاً، ثم يصير مضغة‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏5- 10‏]‏

‏{‏أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ ‏(‏5‏)‏ يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا ‏(‏6‏)‏ أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ ‏(‏7‏)‏ أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ ‏(‏8‏)‏ وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ ‏(‏9‏)‏ وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ ‏(‏10‏)‏‏}‏

وقال عز وجل‏:‏ ‏{‏أَيَحْسَبُ أَن لَّن يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ‏}‏ يعني‏:‏ أيحسب الكافر، أن لن يقدر عليه الله تعالى، يعني‏:‏ على أخذه وعقوبته‏.‏ ‏{‏يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالاً لُّبَداً‏}‏ يعني‏:‏ أبا جهل بن هشام يقول‏:‏ أنفقت مالاً كثيراً في عداوة محمد صلى الله عليه وسلم، فلم ينفعني ذلك، وهو أنه ضمن مالاً لمن يقتل محمداً صلى الله عليه وسلم، ويقال‏:‏ أنفق مالاً يوم بدر‏.‏ ثم قال عز وجل‏:‏ ‏{‏أَيَحْسَبُ‏}‏ يعني‏:‏ أيظن ‏{‏أَن لَّمْ يَرَهُ أَحَدٌ‏}‏ يعني‏:‏ إن لم ير الله تعالى صنيعه فلا يعاقبه بما فعل‏.‏ ثم ذكر ما أنعم عليه ليعتبر به ويوحد فقال‏:‏ ‏{‏أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ‏}‏ يعني‏:‏ ألم نخلق له عينين‏.‏ يبصر بهما ‏{‏وَلِسَاناً‏}‏ ينطق به ‏{‏وَشَفَتَيْنِ‏}‏ فيضمهما‏.‏

‏{‏وهديناه النجدين‏}‏ قال الثعلبي ومقاتل يعني‏:‏ عرّفناه طريق الخير والشر‏.‏ وقال قتادة‏:‏ يعني‏:‏ طريق الهدى والضلالة، وهكذا قال ابن مسعود، رضي الله عنه، ويقال‏:‏ ‏{‏وهديناه النجدين‏}‏ يعني‏:‏ هديناه في الصغر لأحد الثديين، يعني‏:‏ خلق له شفتين، ليأخذ بهما ثدي أمه‏.‏ ويقال‏:‏ بينا له طريقين، طريق الدنيا، وطريق الآخرة‏.‏ وقال مجاهد‏:‏ يعني‏:‏ طريق السعادة، وطريق الشقاوة‏.‏ ويقال‏:‏ الطاعة والمعصية، ويقال‏:‏ طريق الصواب، وطريق الخطأ‏.‏ ومعناه ألم نجعل له ما يستدل به، على أن الله تعالى قادر على أن يبعثه، ويحصي عليه ما عمله‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏11- 20‏]‏

‏{‏فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ ‏(‏11‏)‏ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ ‏(‏12‏)‏ فَكُّ رَقَبَةٍ ‏(‏13‏)‏ أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ ‏(‏14‏)‏ يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ ‏(‏15‏)‏ أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ ‏(‏16‏)‏ ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ ‏(‏17‏)‏ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ ‏(‏18‏)‏ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ ‏(‏19‏)‏ عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ ‏(‏20‏)‏‏}‏

ثم قال عز وجل‏:‏ ‏{‏فَلاَ اقتحم العقبة‏}‏ يعني‏:‏ فلا هو اقتحم العقبة، ويقال‏:‏ فلم يقتحم العقبة، ويقال‏:‏ معناه فهل تجاوز العقبة، الذي يزعم أنه أنفق مالاً كثيراً في عداوة محمد صلى الله عليه وسلم، وإنما أراد بالعقبة، الصراط‏.‏ كما روي عن أبي ذر الغفاري أنه قال‏:‏ إنه بين أيدينا عقبة كؤود، لا ينجو منها إلاَّ كل مخف‏.‏ وكما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه، أنه بكى حين حضرته الوفاة، قيل له‏:‏ وما يبكيك‏؟‏ قال‏:‏ بُعْدَ المفازة، وقلة الزاد، وضعف النفس، وعقبة كؤد، والهبوط منها إلى الجنة أو إلى النار‏.‏

ثم قال عز وجل‏:‏ ‏{‏وَمَا أَدْرَاكَ مَا العقبة‏}‏ يعني‏:‏ ما أدراك بماذا يكون مجاوزة الصراط‏.‏ ثم قال‏:‏ ‏{‏فَكُّ رَقَبَةٍ‏}‏ يعني‏:‏ اقتحام العقبة، هو فك الرقبة يعني‏:‏ إنما يجاوز الصراط‏.‏ ‏{‏أَوْ إِطْعَامٌ فِى يَوْمٍ ذِى مَسْغَبَةٍ‏}‏ يعني‏:‏ يجاوز الصراط بإحكام في يوم ذي مجاعة‏.‏ قرأ أبو عمرو، وابن كثير، والكسائي ‏{‏فَكُّ رَقَبَةٍ‏}‏، بنصب الكاف والهاء، وأطعم بنصب الهمزة بغير الألف، والباقون ‏{‏فَكُّ رَقَبَةٍ‏}‏ بضم الكاف، وكسر الهاء ‏{‏أَوْ إِطْعَامٌ‏}‏ بكسر الهمزة، وإثبات الألف‏.‏ فمن قرأ بالنصب فهو محمول على المعنى، معناه فلا فَكَّ رَقَبَةً، ولا أطعمَ في يوم ذي مسغبة، فكيف يجاوز العقبة، ومن قرأ بالضم فمعناه اقتحامُ العقبة، فكُّ رقبة يعني‏:‏ مجاوزة العقبة بعتق رقبة، وبإطعام في يوم ذي مسغبة، أي‏:‏ مجاعة‏.‏

ثم بين لهم لمن يُطْعَم الطعام فقال‏:‏ ‏{‏يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ‏}‏ يعني‏:‏ يتيماً بينك وبينه قرابة ‏{‏أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ‏}‏ يعني‏:‏ مسكيناً لا شيء له لاصق في التراب من الجهد، فهذا الإحسان مجاوزة العقبة ‏{‏ثُمَّ كَانَ مِنَ الذين ءامَنُواْ‏}‏ يعني‏:‏ من صنع هذا الإحسان، يكون مؤمناً، لأنه لا يتقبل عملاً من الأعمال بغير إيمان‏.‏ ويقال‏:‏ معناه ثم يثبت على إيمانه‏.‏ ثم قال‏:‏ ‏{‏وَتَوَاصَوْاْ بالصبر‏}‏ يعني‏:‏ تحاشوا أنفسهم بالصبر، وتحاشوا بعضهم بعضاً بالصبر على طاعة الله تعالى، وبالصبر على المكروهات، لأنه روي في الخبر، أن الجنة حقت بالكاره‏.‏

ثم قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَتَوَاصَوْاْ بالمرحمة‏}‏ يعني‏:‏ تحاشوا بالتراحم بعضهم على بعض، يعني‏:‏ بالمرحمة على أنفسهم، على غيرهم‏.‏ وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال‏:‏ «مَنْ يَرْحَمِ النَّاسَ، يَرْحَمُهُ الله تَعَالَى»‏.‏ ثم قال‏:‏ ‏{‏أولئك أصحاب الميمنة‏}‏ يعني‏:‏ أهل التراحم والتواصل، هم أصحاب الميمنة، الذين يُعْطَوْن كتابهم بأيمانهم ‏{‏والذين كَفَرُواْ بئاياتنا‏}‏ يعني‏:‏ بمحمد صلى الله عليه وسلم وبالقرآن، ويقال‏:‏ كفروا بدلائل الله تعالى‏.‏ ‏{‏هُمْ أصحاب المشئمة‏}‏ يعني‏:‏ يعطون كتابهم بشمالهم ‏{‏عَلَيْهِمْ نَارٌ مُّؤْصَدَةُ‏}‏ يعني‏:‏ أُدْخِلُوا في النار، وأُطْبِقَتْ عليهم، لا يخرج منها غم، ولا يدخل فيها روح آخر الأبد‏.‏ قرأ أبو عمرو، وعاصم في رواية حفص، وحمزة ‏{‏عَلَيْهِمْ نَارٌ‏}‏ بالهمزة، والباقون بغير همزة، وهما لغتان‏.‏ يقال‏:‏ أصدت وأوصدت الباب، وأوصدته إذا أطبقته والله أعلم‏.‏

سورة الشمس

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 10‏]‏

‏{‏وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا ‏(‏1‏)‏ وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا ‏(‏2‏)‏ وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا ‏(‏3‏)‏ وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا ‏(‏4‏)‏ وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا ‏(‏5‏)‏ وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا ‏(‏6‏)‏ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا ‏(‏7‏)‏ فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ‏(‏8‏)‏ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا ‏(‏9‏)‏ وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ‏(‏10‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏والشمس وضحاها‏}‏ أقسم الله تعالى بالشمس، وضوئها حرها‏.‏ ويقال‏:‏ بخالق الشمس وضحاها، يعني‏:‏ ارتفاع النهار‏.‏ ويقال‏:‏ حر الشمس يسمى ضحى‏.‏ قرأ ابن كثير، وابن عامر وعاصم ‏{‏وضحاها‏}‏ بالتفخيم، وكذلك تلاها إلى آخر السورة‏.‏ وقرأ حمزة والكسائي كلها بالإمالة، وقرأ نافع، وأبو عمرو بين ذلك‏.‏ ثم قال عز وجل‏:‏ ‏{‏والقمر إِذَا تلاها‏}‏ يعني‏:‏ يتبع الشمس والهاء، كناية عن الشمس‏.‏ وقال قتادة‏:‏ والشمس هو النهار، و‏{‏القمر * إِذَا تلاها‏}‏ قال‏:‏ يتلوها صبيحة الهلال، وإذا سقطت الشمس، رأيت الهلال عند سقوطها‏.‏

ثم قال عز وجل‏:‏ ‏{‏والنهار إِذَا جلاها‏}‏ يعني‏:‏ إذا أضاء واستنار، فقال القتبي‏:‏ هذا من الاختصار ‏{‏والنهار إِذَا جلاها‏}‏ ويعني‏:‏ والأرض أو الدنيا، يعني‏:‏ النهار أذا أضاء الدنيا‏.‏ وقال الكلبي‏:‏ معناه إذا جلى النهار ظلمة الليل‏.‏ ثم قال عز وجل‏:‏ ‏{‏واليل إِذَا يغشاها‏}‏ يعني‏:‏ غطى ضوء النهار، ويقال‏:‏ ‏{‏واليل إِذَا يغشاها‏}‏ يعني‏:‏ غطى الأرض وسترها‏.‏ ثم قال‏:‏ ‏{‏والسماء وَمَا بناها‏}‏ يعني‏:‏ خلقها‏.‏ ويقال‏:‏ ‏{‏السماء وَمَا بناها‏}‏ يعني‏:‏ الله تعالى بناها، فأقسم بنفسه، ويقال‏:‏ ما للصلة، ومعناه والسماء وبنائها‏.‏

ثم قال عز وجل‏:‏ ‏{‏والارض وَمَا طحاها‏}‏ يعني‏:‏ والذي بسطها على الماء من تحت الكعبة‏.‏ ثم قال‏:‏ ‏{‏وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا‏}‏ يعني‏:‏ ونفس والذي سوى خلقها، ويقال‏:‏ ونفس وما خلقها ‏{‏فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا‏}‏ يعني‏:‏ ألهمها الطاعة والمعصية، ويقال‏:‏ عرفها، وبين لها ما تأتى وما تذر‏.‏ ثم قال عز وجل‏:‏ ‏{‏قَدْ أَفْلَحَ مَن زكاها‏}‏ يعني‏:‏ أصلحها الله، وعرفها وهذا جواب القسم لقد أفلح، ولكن اللام حذفت لثقلها، لأن الكلام طال‏.‏

ثم قال ‏{‏وَقَدْ خَابَ مَن دساها‏}‏ يعني‏:‏ خسر من أغفلها وأغواها، وخذلها وأضلها‏.‏ وقال القتبي‏:‏ معناه قد أفلح من زكى نفسه، أي‏:‏ أنماها وأعلاها، بالطاعة والبر والصدقة، وقد خاب من دساها، يعني‏:‏ نقصها وأخفاها بترك عمل البر، وبركوب عمل المعاصي‏.‏ وأصله دسس، فجعل مكان إحدى السينين ياء، كما يقال‏:‏ قصيت أظفاري، وأصله قصصت‏.‏ قال وأصل هذا‏؟‏ أن أجواد العرب، كانوا ينزلون في أرفع المواضع، ويوقدون من النار للطارقين، لتكون أنفسهم أشهر، واللئام ينزلون الأطراف والأهضام، لتخفي أماكنهم على الطارقين، فأخفوا أنفسهم‏.‏ والبار أيضاً أظهر نفسه بأعمال البر، والفاجر دساها‏.‏ ويقال‏:‏ إن الله تعالى، يطلب من عباده المؤمنين يوم القيامة ستة أشياء بمكان النعمة، الشكر‏:‏ وبمكان الشدة وبمكان الصحة العمل بالطاعة، وبمكان الذنوب التوبة، وبمكان العمل الإخلاص، فمن يجئ بهذه الأشياء، فقد أفلح ونما، ومن لم يجئ بهذه الأشياء، فقد خسر وغبن‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏11- 15‏]‏

‏{‏كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا ‏(‏11‏)‏ إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا ‏(‏12‏)‏ فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا ‏(‏13‏)‏ فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا ‏(‏14‏)‏ وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا ‏(‏15‏)‏‏}‏

ثم قال عز وجل‏:‏ ‏{‏كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا‏}‏ يعني‏:‏ بطغيانهم، حملهم على ذلك التكذيب ‏{‏إِذِ انبعث أشقاها‏}‏ يعني‏:‏ إذا قام أشقى ثمود، وكلهم أشقياء في علم الله تعالى، وأشقاهم عاقر الناقة، وهو قدار بن سالف، ومصدع بن دهر ‏{‏فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ الله‏}‏ صلى الله عليه وسلم يعني‏:‏ صالحاً ‏{‏نَاقَةُ الله‏}‏ يعني‏:‏ احذروا ناقة الله ‏{‏وسقياها‏}‏ يعني‏:‏ لا تأخذوا سقياها، ومعناه ولا تعقروا ناقة الله، وذروا شربها‏.‏ وقد ذكرناه في سورة الأعراف ‏{‏فَكَذَّبُوهُ‏}‏ يعني‏:‏ صالحاً بالعذاب ‏{‏فَعَقَرُوهَا‏}‏ يعني‏:‏ فعقروا الناقة، ويقال‏:‏ في الآية تقديم فعقروها، فخوفهم صالح عليه السلام بالعذاب، فكذبوه‏.‏ ثم قال عز وجل‏:‏ ‏{‏فَدَمْدمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ‏}‏ يعني‏:‏ أنزل عليهم ربهم عقوبة ‏{‏بِذَنبِهِمْ‏}‏ والدَّمْدَمة، المبالغة في العقوبة والنكال‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏فَسَوَّاهَا‏}‏ يعني‏:‏ فسواها في الهلاك يعني‏:‏ الصغير والكبير ‏{‏وَلاَ يَخَافُ عقباها‏}‏ قرأ نافع، وابن عامر فلا يخاف بالفاء، والباقون بالواو‏.‏ فمن قرأ بالفاء، وصل الذي بعدها بالذي قبلها، وهو قوله ‏{‏فَدَمْدمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ‏}‏ يعني‏:‏ أطبق عليهم العذاب بذنبهم ‏{‏فَسَوَّاهَا‏}‏ يعني‏:‏ فسوى الأرض عليهم، ولا يخاف عقبى هلكهم، ولا يقدر أن يرجعوا إلى السلامة‏.‏ ومن قرأ بالواو، فمعناه التقديم والتأخير، يعني‏:‏ الذي عقرها، وهو لا يخاف عقبى عقرها‏.‏ ويقال‏:‏ إن الله تعالى أهلكهم، ولم يخف ثأرها وعاقبتها على غير وجه التقديم‏.‏ وروى الضحاك، عن علي، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لعلي رضي الله عنه‏:‏ «أتَدْرِي مَنْ أشْقَى الأوَّلِينَ» قُلْتُ‏:‏ الله وَرَسُولَهُ أَعْلَمُ‏.‏ قال‏:‏ «عَاقِرُ النَّاقَةِ» فقال‏:‏ «أتَدْرِي مَنْ أَشْقَى الآخِرِينَ» قلت‏:‏ الله ورسوله أعلم، قال‏:‏ «قَاتِلُكَ»‏.‏ والله أعلم‏.‏

سورة الليل

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 11‏]‏

‏{‏وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى ‏(‏1‏)‏ وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى ‏(‏2‏)‏ وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى ‏(‏3‏)‏ إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى ‏(‏4‏)‏ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى ‏(‏5‏)‏ وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ‏(‏6‏)‏ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى ‏(‏7‏)‏ وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى ‏(‏8‏)‏ وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى ‏(‏9‏)‏ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى ‏(‏10‏)‏ وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى ‏(‏11‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏واليل إِذَا يغشى‏}‏ أقسم الله تعالى بالليل، إذا غشيت ظلمته ضوء النهار‏.‏ ويقال‏:‏ أقسم بخالق الليل إذا يغشى، يعني‏:‏ يغشى الليل ضوء النهار ‏{‏والنهار إِذَا تجلى‏}‏ يعني‏:‏ أقسم بالنهار إذا استنار، وتجلى عن الظلمة ‏{‏وَمَا خَلَقَ الذكر والانثى‏}‏ يعني‏:‏ والذي خلق الذكر والأنثى، يعني‏:‏ آدم وحواء‏.‏ وقال القتبي‏:‏ ما ومن أصلهما واحد، وجعل من للناس، وما لغير الناس‏.‏ ويقال‏:‏ من مَرّ بك من الناس، وما مَرّ بك من الإبل‏.‏ وقال أبو عبيد‏:‏ وما خلق، أي‏:‏ وما خلق، وكذلك قوله‏:‏ ‏{‏والسمآء وَمَا بناها‏}‏ ‏[‏الشمس‏:‏ 5‏]‏ ‏{‏وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا‏}‏ ‏[‏الشمس‏:‏ 7‏]‏ «وما» في هذه المواضع بمعنى «من» وقال أبو عبيد‏:‏ وما بمعنى من وبمعنى الذي‏.‏

وروي عن ابن مسعود، أنه كان يقرأ والنهار إذا تجلى، والذكر والأنثى وروى الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة قال‏:‏ قدمنا الشام، فأتانا أبو الدرداء، فقال‏:‏ أفيكم أحد يقرأ على قراءة عبد الله بن مسعود‏؟‏ فأشاروا إلي، فقلت‏:‏ نعم أنا‏.‏ فقال‏:‏ كيف سمعت عبد الله يقرأ هذه الآية‏؟‏ قلت‏:‏ سمعته يقرأ، والذكر والأنثى‏.‏ قال‏:‏ أنا هكذا والله سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقرأها، وهؤلاء يريدونني على أن أقرأها كلا أنا معهم‏.‏

ثم قال عز وجل‏:‏ ‏{‏إِنَّ سَعْيَكُمْ لشتى‏}‏ فهذا موضع جواب القسم، أقسم الله تعالى بخالق هذه الأشياء، إن سعيكم لشتى، يعني‏:‏ أديانكم ومذاهبكم مختلفة، يعني‏:‏ عملكم مختلف‏.‏ عامل للجنة، وعامل للنار‏.‏ وقال أبو الليث رحمه الله‏:‏ حدّثنا أبو جعفر، حدّثنا أبو بكر أحمد بن محمد بن سهل القاضي قال‏:‏ أخبرنا حدّثنا أحمد بن جرير، قال حدّثنا أبو عبد الرحمن راشد بن إسماعيل، عن منصور بن مزاحم، عن يونس بن إسحاق، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، أن أبا بكر رضي الله عنه، اشترى بلالاً من أمية بن خلف، وأبي بن خلف ببروة وعشرة أواق من فضة، فأعتقه لله تعالى، فأنزل الله تعالى‏:‏ ‏{‏واليل إِذَا يغشى * والنهار إِذَا تجلى وَمَا خَلَقَ الذكر والانثى إِنَّ سَعْيَكُمْ لشتى‏}‏ يعني‏:‏ سعي أبي بكر، وأمية بن خلف‏.‏

‏{‏فَأَمَّا مَنْ أعطى واتقى وَصَدَّقَ بالحسنى‏}‏ يعني‏:‏ بلا إله إلا الله، يعني‏:‏ أبا بكر ‏{‏فَسَنُيَسّرُهُ لليسرى‏}‏ يعني‏:‏ الجنة ‏{‏وَأَمَّا مَن بَخِلَ واستغنى وَكَذَّبَ بالحسنى‏}‏ يعني‏:‏ بلا إله إلا الله ‏{‏فَسَنُيَسّرُهُ للعسرى‏}‏ يعني‏:‏ أمية، وأبي ابني خلف إذا ماتا‏.‏ ويقال‏:‏ لنزول هذه الآية سبب آخر، كان رجل من الكفار له نخلة في دار، وشعبها في دار رجل آخر من المسلمين، وكان إذا سقطت ثمرة في دار المسلم، نادى الكافر‏:‏ حرام حرام، وكان المسلم يأخذ الثمرة، فيرمي بها في دار الكافر، لئلا يأكل ذلك صبيانه فسقطت يوماً ثمرة، فأخذها ابن صغير للمسلم، فجعلها في فيه، فدخل الكافر، فأخرج الثمرة من فيه، وأبكى الصبي‏.‏

فشكى المسلم إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فدعا المشرك فقال‏:‏ أتبيع نخلتك ليعطيك الله أفضل منها في الجنة، فقال‏:‏ لا أبيع العاجل بالآجل، فسمع رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فاشترى النخلة من الكافر، وتصدق بها على المسلم‏.‏ فنزلت ‏{‏فَأَمَّا مَنْ أعطى واتقى‏}‏ يعني‏:‏ أعطى من ماله حق الله تعالى، واتقى الشرك، وسخط الله تعالى، ‏{‏وَصَدَّقَ بالحسنى‏}‏‏.‏ يعني‏:‏ بثواب الله في الجنة ‏{‏فَسَنُيَسّرُهُ‏}‏ يعني‏:‏ سنعينه ونوفقه ‏{‏لليسرى‏}‏ يعني‏:‏ لعمل أهل الجنة ‏{‏وَأَمَّا مَن بَخِلَ‏}‏ بالصدقة ‏{‏واستغنى‏}‏ يعني‏:‏ رأى نفسه مستغنياً عن ثواب الله، وعن جنته ‏{‏وَكَذَّبَ بالحسنى‏}‏ يعني‏:‏ بالثواب وهو الجنة ‏{‏فَسَنُيَسّرُهُ للعسرى‏}‏ يعني‏:‏ نخذله ولا نوفقه للطاعة، فسنيسر عليه طريق المعصية ‏{‏وَأَمَّا مَن بَخِلَ واستغنى‏}‏ ‏{‏وَمَا يُغْنِى عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تردى‏}‏ يعني‏:‏ ما ينفعه ماله، إذا مات وتركه في الدنيا، وهو يرد إلى النار‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏12- 21‏]‏

‏{‏إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى ‏(‏12‏)‏ وَإِنَّ لَنَا لَلْآَخِرَةَ وَالْأُولَى ‏(‏13‏)‏ فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى ‏(‏14‏)‏ لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى ‏(‏15‏)‏ الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى ‏(‏16‏)‏ وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى ‏(‏17‏)‏ الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى ‏(‏18‏)‏ وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى ‏(‏19‏)‏ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى ‏(‏20‏)‏ وَلَسَوْفَ يَرْضَى ‏(‏21‏)‏‏}‏

ثم قال عز وجل‏:‏ ‏{‏إِنَّ عَلَيْنَا للهدى‏}‏ يعني‏:‏ علينا بيان الهدى، ويقال‏:‏ علينا التوفيق للهدى من كان أهلاً لذلك ‏{‏وَإِنَّ لَنَا لَلاْخِرَةَ والاولى‏}‏ يعني‏:‏ الدنيا والآخرة لله تعالى، يعطي منها من يشاء ويقال‏:‏ معناه إلى الله تعالى ثواب الدنيا والآخرة‏.‏ ويقال‏:‏ وإن لنا للآخرة والأولى، يعني‏:‏ لله تعالى نفاذ الأمر في الدنيا والآخرة، يعطي في الدنيا المغفرة، والتوفيق للطاعة، وفي الآخرة الحسنة والثواب‏.‏ ثم قال‏:‏ ‏{‏فَأَنذَرْتُكُمْ نَاراً تلظى‏}‏ يعني‏:‏ خوفتكم بالقرآن ناراً تلظى، يعني‏:‏ تثقل على أهلها، وتغيظ على أهلها، وتزفر عليهم‏.‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏لاَ يصلاها‏}‏ يعني‏:‏ لا يدخل في النار ‏{‏إِلاَّ الاشقى‏}‏ يعني‏:‏ الذي ختم له بالشقاوة ‏{‏الذى كَذَّبَ وتولى‏}‏ يعني‏:‏ كذب بالتوحيد، وتولى عن الإيمان، وعن طاعة الله تعالى، وأخذ في طاعة الشيطان‏.‏ ثم قال‏:‏ ‏{‏وَسَيُجَنَّبُهَا الاتقى‏}‏ يعني‏:‏ يباعد عنها الأتقى، يعني‏:‏ المتقي الذي يتقي الشرك وهو ‏{‏الذى يُؤْتِى مَالَهُ يتزكى‏}‏ يعني‏:‏ يعطي من ماله حق الله تعالى ‏{‏يتزكى‏}‏ يعني‏:‏ يريد به وجه الله تعالى‏.‏ ثم قال‏:‏ ‏{‏وَمَا لاِحَدٍ عِندَهُ مِن نّعْمَةٍ تجزى‏}‏ يعني‏:‏ لا يفعل ذلك مجازاة لأحد ‏{‏إِلاَّ ابتغاء وَجْهِ رَبّهِ الاعلى‏}‏ ولكن يفعل ذلك وجه ابتغاء ربه الأعلى، يفعل ذلك طلب رضاء الله تعالى الأعلى، يعني‏:‏ الله العلي الكبير، الرفيع فوق خلقه، بالقهر والغلبة‏.‏

‏{‏وَلَسَوْفَ يرضى‏}‏ يعني‏:‏ سوف يعطي الله من الثواب، حتى يرضى بذلك‏.‏ وقال مقاتل‏:‏ مر أبو بكر على بلال، وسيده أمية بن خلف يعذبه، فاشتراه وأعتقه، فكره أبو قحافة عتقه، فقال لأبي بكر‏:‏ أما علمت أن مولى القوم من أنفسهم، فإذا أعتقت فأعتق من له منظرة وقوة، فنزل ‏{‏وَمَا لاِحَدٍ عِندَهُ مِن نّعْمَةٍ تجزى‏}‏ يعني‏:‏ لا يعقل لطلب المجازاة، ولكن إنما يعطي ما له ‏{‏ابتغاء وَجْهِ رَبّهِ الاعلى وَلَسَوْفَ يرضى‏}‏ بثواب الله تعالى، والله أعلم بالصواب‏.‏

سورة الضحى

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 8‏]‏

‏{‏وَالضُّحَى ‏(‏1‏)‏ وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى ‏(‏2‏)‏ مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى ‏(‏3‏)‏ وَلَلْآَخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى ‏(‏4‏)‏ وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى ‏(‏5‏)‏ أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآَوَى ‏(‏6‏)‏ وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى ‏(‏7‏)‏ وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى ‏(‏8‏)‏‏}‏

قوله تبارك وتعالى‏:‏ ‏{‏والضحى‏}‏ يعني‏:‏ النهار كله، ويقال‏:‏ الضحى ساعة من ساعات النهار، ويقال‏:‏ الضحى حر الشمس ‏{‏واليل إِذَا سجى‏}‏ يعني‏:‏ اسودّ وأظلم، ويقال‏:‏ إذا سكن بالناس، ويقال‏:‏ ‏{‏والضحى واليل إِذَا سجى‏}‏ يعني‏:‏ عباده الذين يعبدونه في وقت الضحى وعباده الذين يعبدونه بالليل إذا أظلم، ويقال‏:‏ ‏{‏والضحى‏}‏ نور الجنة إذا تنور ‏{‏واليل إِذَا سجى‏}‏ يعني‏:‏ ظلمة النار إذا أظلم، ويقال‏:‏ ‏{‏والضحى‏}‏ يعني‏:‏ النور الذي في قلوب العارفين كهيئة النهار، ‏{‏واليل إِذَا سجى‏}‏ يعني‏:‏ السواد الذي في قلوب الكافرين، كهيئة الليل‏.‏ وأقسم الله تعالى بهذه الأشياء ‏{‏مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قلى‏}‏ يعني‏:‏ ما تركك ربك يا محمد صلى الله عليه وسلم، منذ أوحى إليك ‏{‏وَمَا قلى‏}‏ يعني‏:‏ ما أبغضك ربك، وذلك أن مشركي قريش، أرسلوا إلى يهود المدينة، وسألوهم عن أمر محمد صلى الله عليه وسلم، فقالت لهم اليهود‏:‏ فاسألوه عن أصحاب الكهف، وعن قصة ذي القرنين، وعن الروح، فإن أخبركم بقصة أهل الكهف، وعن قصة ذي القرنين، ولم يخبركم عن أمر الروح، فاعلموا أنه صادق‏.‏

فجاؤوه وسألوه فقال لهم‏:‏ ارجعوا غداً حتى أخبركم، ونسي أن يقول إن شاء الله، فانقطع عنه جبريل خمسة عشرة يوماً في رواية الكلبي، وفي رواية الضحاك، أربعين يوماً‏.‏ فقال المشركون‏:‏ قد ودّعه ربه وأبغضه، فنزل فيهم ذلك‏.‏ وروى أسباط عن السدي قال‏:‏ فأبطأ جبريل عليه السلام، على رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعين ليلة، حتى شكى ذلك إلى خديجة، فقالت خديجة‏:‏ لعل ربك قد قلاك أو نسيك، فأتاه جبريل عليه السلام بهذه الآية ‏{‏مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قلى‏}‏ ‏{‏وَلَلاْخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الاولى‏}‏ يعني‏:‏ ما أعطاك الله في الآخرة، خير لك مما أعطاك في الدنيا‏.‏ ويقال‏:‏ معناه عز الآخرة، خير من عز الدنيا، لأن عز الدنيا يفنى، وعز الآخرة يبقى‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فترضى‏}‏ يعني‏:‏ يعطيك ثواب طاعتك، حتى ترضى‏.‏ وسوف من الله تعالى واجب‏.‏ ويقال‏:‏ ‏{‏وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ‏}‏ الحوض، والشفاعة حتى ترضى‏.‏ ثم ذكر له ما أنعم عليه في الدنيا وفي الآخرة‏.‏ فقال عز وجل‏:‏ ‏{‏أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فاوى‏}‏ يعني‏:‏ كنت يتيماً فضمك إلى عمك أبي طالب، فكفاك المؤنة حين كنت يتيماً ‏{‏مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ‏}‏ فكيف ودعك بعد ما أوحى إليك‏.‏

ثم قال عز وجل‏:‏ ‏{‏وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فهدى‏}‏ يعني‏:‏ وجدك جاهلاً بالنبوة، وبالحكمة وبالكتاب وقراءته، والدعوة إلى الإيمان، فهداك إلى هذه الأشياء‏.‏ وكقوله‏:‏ ‏{‏ما كنت تدري ما الكتاب، ولا الإيمان‏}‏ ويقال‏:‏ ‏{‏وَوَجَدَكَ ضَالاًّ‏}‏ يعني‏:‏ من بين قوم ضلال ‏{‏فهدى‏}‏ يعني‏:‏ حفظك من أمرهم، وعن أخلاقهم‏.‏ ويقال‏:‏ ووجدك بين قوم ضلال، فهداهم بك‏.‏ ثم قال عز وجل‏:‏ ‏{‏وَوَجَدَكَ عَائِلاً فأغنى‏}‏ يعني‏:‏ وجدك فقيراً بلا مال، فأغناك بمال خديجة‏.‏ ويقال‏:‏ وجدك فقيراً عن القرآن والعلم، فأغناك يعني‏:‏ أغنى قلبك، وأرضاك بما أعطاك‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏9- 11‏]‏

‏{‏فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ ‏(‏9‏)‏ وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ ‏(‏10‏)‏ وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ ‏(‏11‏)‏‏}‏

ثم قال تعالى‏:‏ ‏{‏فَأَمَّا اليتيم فَلاَ تَقْهَرْ‏}‏ يعني‏:‏ لا تظلمه، وادفع إليه حقه‏.‏ ويقال‏:‏ معناه واذكر يُتْمك، وارحم اليتيم‏.‏ وقال مجاهد‏:‏ ‏{‏فَلاَ تَقْهَرْ‏}‏ يعني‏:‏ فلا تقهره‏.‏ وروي عن ابن مسعود، أنه كان يقرأ ‏{‏فَأَمَّا اليتيم فَلاَ‏}‏‏.‏ يعني‏:‏ لا تعبس في وجهه‏.‏ وروي عن أنس بن مالك، رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ «مَنْ ضَمَّ يَتِيماً وَكَانَ مُحْسِناً فِي نَفَقَتِهِ، كَانَ لَهُ حِجَاباً مِنَ النَّارِ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَمَنْ مَسَحَ بِرَأْسِهِ، كَانَ لَهُ بِكُلِّ شَعْرَةٍ حَسَنَةٌ»‏.‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏تَقْهَرْ وَأَمَّا السائل فَلاَ تَنْهَرْ‏}‏ يعني‏:‏ لا تؤذه ولا تزجره، ويقال‏:‏ معناه واذكر فقرك، ولا تزجر السائل، ولا تنهره ورده ببذل يسير، وبكلمة طيبة‏.‏ وفي الآية تنبيه لجميع الخلق، لأن كل واحد من الناس كان فقيراً في الأصل، فإذا أنعم الله عليه، وجب أن يعرف حق الفقراء‏.‏

ثم قال عز وجل‏:‏ ‏{‏وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبّكَ فَحَدّثْ‏}‏ يعني‏:‏ بهذا القرآن، فيعلم الناس‏.‏ وفي الآية تنبيه لجميع من يعلم القرآن، أن يحتسب في تعليم غيره‏.‏ ويقال‏:‏ معناه فحدث الناس بما آتاك الله من الكرامة، ويقال‏:‏ معناه اجهر بالقرآن في الصلاة‏.‏ وروى أبو سعيد الخدري، رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏"‏ إِنَّ الله تَعَالَى جَمِيلٌ، يُحِبُّ الجَمَالَ، وَيُحِبُّ أَنْ يَرَى أَثَرَ النِّعْمَةَ عَلَى عَبْدِهِ ‏"‏، يعني‏:‏ يشكر بما أنعم الله تعالى عليه، ويحدث به، فيظهر على نفسه أثر النعمة، والله أعلم بالصواب‏.‏